الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب السجود على الثوب في شدة الحر

378 51 - ( حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثني غالب القطان عن بكر بن عبد الله عن أنس بن مالك قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود )

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة ذكروا ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة ابن المفضل بضم الميم وفتح الفاء وتشديد المعجمة المفتوحة الرقاشي بفتح الراء العثماني ، كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ، وغالب بالغين المعجمة وكسر اللام ابن خطاف بضم الخاء المعجمة وبفتحها ، وتشديد الطاء المهملة القطان بالقاف .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في أبي الوليد ، وفيه بشر ، وبالإفراد في غالب عند الأكثرين ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه حكاية قول الصحابي عما يفعله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يشاهده ، ولا ينكره فيكون تقريرا منه صلى الله عليه وسلم ، ( فإن قلت ) : كان أنس خلف النبي صلى الله عليه وسلم ( قلت ) ما كان يخفى عليه شيء من أحوال من كان خلفه في الصلاة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه فيكون قول الصحابي : كنا نفعل كذا من قبيل المرفوع ، ولا سيما اتفق الشيخان على تخريج هذا الحديث في صحيحيهما ، وغيرهما كذلك .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن مسدد ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك ، وأخرجه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن إسحاق بن إبراهيم .

( ذكر معناه ) : قوله : "فيضع أحدنا" جملة معطوفة على قوله : "كنا نصلي" . قوله : "طرف ثوبه" كلام إضافي منصوب ؛ لأنه مفعول يضع ، وفي رواية مسلم وأبي داود "بسط ثوبه فسجد عليه" ، وفي رواية النسائي : "كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر" ، وعند ابن أبي شيبة : "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر والبرد فيسجد على ثوبه" .

( ذكر ما يستنبط منه ) : احتج به أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، رواه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم قال : صلى [ ص: 118 ] عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ، ثم قال : يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه ، ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه ، وأمر به إبراهيم أيضا ، وعطاء ، وفعله مجاهد ، وقال الحسن : لا بأس به ، وحكاه ابن المنذر أيضا عن الشعبي ، وطاوس ، والأوزاعي ، والنخعي ، والزهري ، ومكحول ، ومسروق ، وشريح ، وقال صاحب التهذيب من الشافعية : وبه قال أكثر العلماء ، والحديث حجة على الشافعي حيث لم يجوز ذلك ، وقال النووي : حمله الشافعي على الثوب المنفصل . قلنا : لفظ ثوبه دل على المتصل به من حيث اللفظ ، وهو تعقيب السجود بالبسط كما في رواية مسلم ، وأبي داود ، وكذا دل على المتصل به من خارج اللفظ ، وهو قلة الثياب عندهم ، ( فإن قلت ) : أيد البيهقي حمل الشافعي على الثوب المنفصل بما رواه الإسماعيلي في هذا الحديث بلفظ : "فيأخذ أحدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه" قال : فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه .

( قلت ) ورد هذا باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترة له ، ( فإن قلت ) : احتج الشافعي بحديث خباب . قال : " شكونا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا " أي : فلم يزل شكوانا ، ، وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ترب جبينك يا رباح ( قلت ) حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة ، ولو ثبت فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء ، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر ، ويقال : إنه منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم : "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم " ، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال : "جاءنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد" رواه أحمد ، وابن ماجه ، ( فإن قلت ) : هذا محمول على الثوب المنفصل الذي لا يتحرك بحركته . ( قلت ) هذا بعيد لقوله : "بسط ثوبه فسجد عليه" إذ الفاء فيه للتعقيب ، وكل حديث احتج به الشافعي في هذا الباب فهو محتمل ، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين فهو محكم فيحمل المحتمل على المحكم على أنه قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم رووا سجوده عليه الصلاة والسلام على كور عمامته منهم أبو هريرة ، أخرج حديثه عبد الرزاق في مصنفه ، وابن عباس أخرج حديثه أبو نعيم في الحلية ، وعبد الله بن أبي أوفى أخرج حديثه الطبراني في الأوسط ، وجابر أخرج حديثه ابن عدي في الكامل ، وأنس أخرج حديثه ابن أبي حاتم في كتابه : العلل ، وابن عمر أخرج حديثه الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في فوائده ، ( فإن قلت ) : قال البيهقي في المعرفة : أما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور عمامته فلا يثبت منه شيء ( قلت ) حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وابن أبي أوفى جياد ، وما كان منه من الضعيف يشتد بالقوي ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في هذا الباب ، وبما ذكرنا هاهنا يحصل الجواب عما قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين المحمول المتحرك وغيره ، والاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : "ترب وجهك" ، وحديث الباب أيضا يرد ما ذكره من قوله ، والقياس على سائر الأعضاء قياس بالفارق ، وقياس في مقابلة النص .

قلنا : لا نسلم ذلك ؛ لأنا عملنا أولا بالحديث الذي ورد في هذا الباب ، وبالقياس أيضا فهذا أقوى ، وقوله : ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده فنقول : باشر أيضا ثوبه في سجوده كما مر ، وبدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع ، فإن احتج بقوله صلى الله عليه وسلم : "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" فنقول بموجبه وهو وجد أن حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز ، وقال بعضهم : فيه أي : في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت . قلنا : ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد بالظهر يعارضه ، ودفعها إما بأن نقول إن التقديم رخصة ، والإبراد سنة ، فإذا قلنا : أحاديث الأمر بالإبراد ناسخة لا يبقى تعارض فافهم .

ومما يستنبط من الحديث المذكور أن العمل اليسير في الصلاة عفو ؛ لأن وضع طرف الثوب في موضع السجود عمل ، والله أعلم . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث