الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ثم يسلم وهو فرض في الصلاة ، لقوله صلى الله عليه وسلم { مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب فيه نطق كالطرف الأول ، والسنة أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره ، والسلام أن يقول : السلام عليكم ورحمة الله ، لما روى عبد الله رضي الله عنه قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله ، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله ، حتى يرى بياض خده من هاهنا ومن هاهنا } .

وقال في القديم : إن اتسع المسجد وكثر الناس سلم تسليمتين ، وإن صغر المسجد وقل الناس سلم تسليمة واحدة لما روت عائشة : رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه } ، ولأن السلام للإعلام بالخروج من الصلاة ، وإذا كثر الناس كثر اللغط فيسلم اثنتين ليبلغ وإذا قل الناس كفاهم الإعلام بتسليمة واحدة ، والأول أصح ; لأن الحديث في تسليمة غير ثابت عند أهل النقل ، والواجب من ذلك تسليمة ; لأن الخروج يحصل بتسليمة ، فإن قال : عليكم السلام أجزأه على المنصوص كما يجزئه في التشهد وإن قدم بعضه على بعض . ومن أصحابنا من قال : لا يجزئه حتى يأتي به مرتبا كما يقول في القراءة والمذهب الأول ، وينوي الإمام بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على من عن يمينه وعلى الحفظة ، وينوي بالثانية السلام على من على يساره وعلى الحفظة ، وينوي المأموم بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة ، والسلام على الإمام وعلى الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته في صفه ورائه وقدامه ، وينوي بالثانية السلام على الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته ، فإن كان الإمام قدامه نواه في أي التسليمتين شاء ، وينوي المنفرد بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة ، والسلام على الحفظة ، وبالثانية السلام على الحفظة ، والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على [ ص: 456 ] بعض . وروى علي رضي الله عنه كرم الله وجهه : { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعا ، وبعدها ركعتين ، ويصلي قبل العصر أربعا : يفصل كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ، ومن معه من المؤمنين } وإن نوى الخروج من الصلاة ولم ينو ما سواه جاز ; لأن التسليم على الحاضرين سنة ، وإن لم ينو الخروج من الصلاة ففيه وجهان . قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص : لا يجزئه وهو ظاهر النص في البويطي ; لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فلم يصح من غير نية كتكبيرة الإحرام . وقال أبو حفص بن الوكيل وأبو عبد الله الختن الجرجاني رحمهم الله : يجزيه ; لأن نية الصلاة قد أتت على جميع الأفعال والسلام من جملتها ، أو لأنه لو وجبت النية في السلام لوجب تعينها كما قلنا في تكبيرة الإحرام .

التالي السابق


( الشرح ) حديث مفتاح الصلاة إلى آخره سبق بيانه في تكبيرة الإحرام وما يتعلق به : أما حكم السلام فحاصله أن السلام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به ولا يقوم غيره مقامه ، وأقله أن يقول : السلام عليكم ، فلو أخل بحرف من هذه الأحرف لم يصح سلامه ، فلو قال : السلام عليك أو قال : سلامي عليك أو سلام الله عليكم أو سلام عليكم بغير تنوين أو السلام عليهم لم يجزه بلا خلاف ، فإن قاله سهوا لم تبطل صلاته ، ولكن يسجد للسهو وتجب إعادة السلام ، وإن قاله عمدا بطلت صلاته إلا في قوله : السلام عليهم . فإنه لا تبطل الصلاة ; لأنه دعاء لغائب ، وإن قال : سلام عليكم بالتنوين فوجهان مشهوران في الطريقتين ، وحكاهما الجرجاني قولين وهو غريب :

( أحدهما ) يجزئه ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما يجزئه في سلام التشهد ، وهذا هو الأصح عند جماعة من الخراسانيين منهم إمام الحرمين والبغوي والرافعي ( والثاني ) لا يجزئه ، وهو الأصح المختار ، ممن صححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب هذا هو الأصح وهو الذي ذكره أبو إسحاق المروزي في الشرح وهو نص الشافعي رحمه الله قال الشيخ أبو حامد : هو ظاهر نص الشافعي وقول عامة أصحابنا . قال : ومن قال : يجزئه فقد غلط . ودليله قوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } وبينت الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : " السلام عليكم " ولم ينقل عنه سلام عليكم بخلاف التشهد فإنه نقل بالأحاديث الصحيحة بالتنوين وبالألف واللام . [ ص: 457 ] وقولهم ) التنوين يقوم مقام الألف واللام ليس بصحيح ، ولكنهما لا يجتمعان ولا يلزم من ذلك أنه يسد مسده في العموم والتعريف وغيره . ولو قال : عليكم السلام فوجهان ، وحكاهما الماوردي قولين ، واتفقوا على أن الصحيح أنه يجزي كما ذكره المصنف في الكتاب ، وهو المنصوص قياسا على التشهد . فإنه يجوز تقديم بعضه على بعض على المذهب كما سبق ( والثاني ) لا يجوز كما لو ترك ترتيب القراءة ، فعلى الأول يجزئه مع أنه مكروه نص عليه ، وهل يجب أن ينوي بسلامه الخروج ؟ فيه وجهان مشهوران ، أصحهما عند الخراسانيين لا يجب ; لأن نية الصلاة شملت السلام ، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل وأبي عبد الله الختن كما ذكره المصنف قال إمام الحرمين وهو قول الأكثرين ( والثاني ) يجب وهذا هو الأصح عند جمهور العراقيين .

قال المصنف رحمه الله : وهو ظاهر نصه في البويطي وهو قول ابن سريج وابن القاص وقال صاحب الحاوي : وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه قياسا على أول الصلاة ، والصحيح الأول . قال الرافعي وهو اختيار معظم المتأخرين ، وحملوا نص الشافعي على الاستحباب قال أصحابنا : فإن قلنا يجب نية الخروج لم تجب عن الصلاة التي يخرج منها بلا خلاف . وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب العدة وغيرهما . قالوا : لأن الخروج متعين لما شرع . بخلاف الدخول في الصلاة فإنه متردد : قالوا : فلو عين غير التي هو فيها عمدا بطلت صلاته ، وإن كان سهوا سجد للسهو وسلم ثانيا .

وإن قلنا لا تجب النية لم يضر الخطأ في التعيين ; لأنه كمن لم ينو . هكذا قاله أصحابنا واتفقوا عليه . قال صاحب العدة والبيان : لا يضره كما لو شرع في صلاة الظهر وظن في الركعة الثانية أنه في العصر ثم تذكر في الثالثة أنها الظهر لم يضره وصلاته صحيحة في المسألتين . قال أصحابنا : وإذا قلنا تجب النية فمعناه أنه نوى بسلامه الخروج من الصلاة ، وأنه تحلل به فتكون النية مقترنة بالسلام ، فلو أخرها عنه وسلم بلا نية بطلت صلاته إن تعمد ، وإن سها لم تبطل ويسجد للسهو ثم يعيد السلام مع النية إن لم يطل الفصل ، فإن طال [ ص: 458 ] وجب استئناف الصلاة ، ولو نوى قبل السلام الخروج بطلت صلاته وإن نوى قبل السلام أنه سينوي الخروج عند السلام لم تبطل صلاته لكن لا تجزئه هذه النية ، بل يجب أن ينوي مع السلام ، قال أصحابنا : ويشترط أن يوقع السلام في حالة القعود فلو سلم في غيره لم يجزه وتبطل صلاته إن تعمد ، هذا ما يتعلق بأقل السلام .

وأما أكمله فأن يقول : السلام عليكم ورحمة الله



وهل يسن تسليمة ثانية ؟ أم يقتصر على واحدة ولا تشرع الثانية ؟ فيه ثلاثة أقوال ( الصحيح ) المشهور وهو نصه في الجديد وبه قطع أكثر الأصحاب : يسن تسليمتان ( والثاني ) تسليمة واحدة قاله في القديم ( والثالث ) قاله في القديم أيضا إن كان منفردا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة وإلا فثنتان ، هكذا حكى الأصحاب هذا الثالث قولا قديما ، وحكاه إمام الحرمين والغزالي عن رواية الربيع ، فيقتضي أن يكون قولا آخر في الجديد ، وهذا غريب وما أظنه ثبت . والمذهب تسليمتان للأحاديث الصحيحة التي سنذكرها ، ولم يثبت حديث التسليمة الواحدة كما سنذكره إن شاء الله تعالى ، ولو ثبت فله تأويلات سنذكرها ، فإن قلنا تسليمة واحدة جعلها تلقاء وجهه ، وإن قلنا تسليمتان فالسنة أن تكون إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره .

قال صاحب التهذيب وغيره : يبتدئ السلام مستقبل القبلة ويتمه ملتفتا بحيث يكون تمام سلامه مع آخر الالتفات ، ففي التسليمة الأولى يلتفت حتى يرى من عن يمينه خده الأيمن وفي الثانية يلتفت حتى يرى من عن يساره خده الأيسر هذا هو الأصح ، وصححه إمام الحرمين والغزالي في البسيط والجمهور ، وبه قطع الغزالي في الوسيط والبغوي وغيرهما . وقال إمام الحرمين يلتفت حتى يرى خداه ، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال : حتى يرى خداه من كل جانب ، وهذا بعيد فإنه إسراف ، قال أصحابنا : ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه أجزأه وكان تاركا للسنة ، قال البغوي ولو بدأ باليسار كره وأجزأه . قال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما : إذا قلنا : يستحب التسليمة الثانية فهي واقعة بعد فراغ [ ص: 459 ] الصلاة ليست منها ، وقد انقضت الصلاة بالتسليمة الأولى حتى لو أحدث مع الثانية لم تبطل صلاته ، ولكن لا يأتي بها إلا بطهارة .

قال أصحابنا : ويستحب للإمام أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة ، ومسلمي الجن والإنس ، وبالثانية على من يساره منهم وينوي المأموم مثل ذلك ويختص بشيء آخر ، وهو أنه إن كان عن يمين الإمام نوى بالتسليمة الثانية الرد على الإمام ، وإن كان عن يساره نواه في الأولى ، وإن كان محاذيا له نواه في أيتهما شاء ، والأولى أفضل ، نص عليه في الأم ، واتفق الأصحاب عليه . ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض ، ويستحب لكل منهم أن ينوي بالأولى الخروج من الصلاة إن لم نوجبها ، ودليل هذه النيات ما ذكره المصنف والأصحاب من حديث علي رضي الله عنه وسأذكره إن شاء الله تعالى . ولا خلاف أنه لا يجب شيء من هذه النيات غير نية الخروج ففيها الخلاف والله أعلم



( فرع ) يستحب أن يقول : السلام عليكم ورحمة الله كما سبق . هذا هو الصحيح والصواب الموجود في الأحاديث الصحيحة وفي كتب الشافعي والأصحاب . ووقع في كتاب المدخل إلى المختصر لزاهر السرخسي ، والنهاية لإمام الحرمين والحلية للروياني زيادة : وبركاته . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : هذا الذي ذكره هؤلاء لا يوثق به وهو شاذ في نقل المذهب ، ومن حيث الحديث فلم أجده في شيء من الأحاديث إلا في حديث رواه أبو داود من رواية وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي : صلى الله عليه وسلم { كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته } وهذه الزيادة نسبها الطبراني إلى موسى بن قيس الحضرمي ، وعنه رواها أبو داود ( قلت ) هذا الحديث إسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح .



( فرع ) في بيان الأحاديث التي ذكرها المصنف وغيرها مما ورد في السلام : أما حديث " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " فسبق بيانه في تكبيرة الإحرام ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه { قال : كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى أرى بياض [ ص: 460 ] خده } رواه مسلم ، { وعن أبي معمر : أن أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين ، فقال عبد الله يعني ابن مسعود : أنى علقها ؟ قال الحاكم في حديثه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله } رواه مسلم ، ( قوله ) علقها - وهو بفتح العين وكسر اللام - ومعناه : من أين حصلت له هذه السنة .

وعن ابن مسعود : رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن شماله ، حتى يرى بياض خده : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله } رواه أبو داود والترمذي ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح وليس في رواية الترمذي " حتى يرى بياض خده " وهذه اللفظة في رواية أبي داود وغيره .

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : { كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذيه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله } رواه مسلم وفي الباب أحاديث كثيرة في التسليمتين من الجانبين غير ما ذكرناه . ومنها حديث وائل بن حجر المذكور قبل الفرع رواه البيهقي من رواية ابن عمر وواثلة بن الأسقع وسهل بن سعد وعبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهم

وأما الاقتصار على تسليمة ففيه حديث عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه } رواه الترمذي وابن ماجه وآخرون . قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين : هو حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم . وقال آخرون : هو ضعيف كما قال المصنف في الكتاب : إنه غير ثابت عند أهل النقل ، وكذا قال البغوي في شرح السنة : في إسناده مقال ، وقال الترمذي : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على تضعيفه وعن أنس رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة } [ ص: 461 ] رواه البيهقي وعن سهل بن سعد { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه } وعن سلمة بن الأكوع قال : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى يسلم تسليمة واحدة } رواهما ابن ماجه والجواب من وجوه ( أحدها ) أنها ضعيفة ( الثاني ) أنها لبيان الجواز ، وأحاديث التسليمتين لبيان الأكمل الأفضل ، ولهذا واظب عليها صلى الله عليه وسلم فكانت أشهر ورواتها أكثر ( الثالث ) أن في روايات التسليمتين زيادة من ثقات فوجب قبولها والله أعلم .

وأما الأحاديث الواردة فيما ينوي بالسلام ( فمنها ) حديث جابر بن سمرة السابق من رواية مسلم ، وعن علي رضي الله عنه قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات ، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين } رواه الترمذي في موضعين من كتابه وقال : حديث حسن وفي رواية عنه في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله " { على الملائكة المقربين والنبيين ، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين } " وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : " { أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام ، وأن يسلم بعضنا على بعض } " رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وفي إسناد أبي داود سعيد بن بشير وهو مختلف في الاحتجاج به ، والأكثرون لا يحتجون به وإسناد روايتي الدارقطني والبيهقي حسن ، واعتضدت طرق هذا الحديث فصار حسنا أو صحيحا

( فرع ) في ألفاظ الكتاب قوله ( يسلم عن يساره ) هو بفتح الياء ويجوز كسرها لغتان سبق بيانهما مرات . قوله : ( لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حتى يرى بياض خده ) هو بضم الياء قوله : ( لما روى سمرة بن جندب ) هو بضم الدال وفتحها ، قيل : ابن هلال أبو سعيد وقيل غير ذلك توفي في آخر خلافة معاوية .

قوله : ( أبو عبد الله الختن ) بالخاء المعجمة والتاء المثناة فوق المفتوحتين يصفه بذاك لقربه من الإمام الحافظ الفقيه أبي بكر الإسماعيلي ، ويقال له : ختن أبي بكر الإسماعيلي ، ويقال : الختن مطلقا كما ذكر المصنف هنا ، واسمه محمد بن الحسن الجرجاني ، وكان أحد أئمة أصحابنا في عصره مقدما [ ص: 462 ] في علم الأدب والقراءات ومعاني القرآن مبرزا في علم الجدل والنظر والفقه وصنف شرح التلخيص ، وسمع الحديث توفي رحمه الله تعالى يوم الأضحى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، وهو ابن خمس وسبعين سنة



( فرع ) في مذاهب العلماء في وجوب السلام . مذهبنا أنه فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به ، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وقال أبو حنيفة لا يجب السلام ولا هو من الصلاة ، بل إذا قعد قدر التشهد ثم خرج من الصلاة بما ينافيها من سلام أو كلام أو حدث أو قيام أو فعل أو غير ذلك أجزأه وتمت صلاته ، وحكاه الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي واحتج له بحديث المسيء صلاته وبحديث ابن مسعود رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد ، وقال : إذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك . إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد } وعن ابن عمرو قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { إذا أحدث ، وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم ، فقد جازت صلاته } وعن علي رضي الله عنه قال : { إذا جلس قدر التشهد ثم أحدث ، فقد تمت صلاته } .

واحتج أصحابنا بحديث " تحليلها التسليم " وبالأحاديث المذكورة في الفرع قبله مع قوله صلى الله عليه وسلم : { صلوا كما رأيتموني أصلي } والجواب عن حديث المسيء صلاته أنه ترك بيان السلام لعلمه به كما ترك بيان النية والجلوس للتشهد وهما واجبان بالاتفاق . والجواب عن حديث ابن مسعود أن قوله " فقد تمت صلاته أو قضيت صلاته " إلى آخره زيادة مدرجة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق الحفاظ ، وقد بين الدارقطني والبيهقي وغيرهما ذلك ، وأما حديث علي وحديث ابن عمرو فضعيفان باتفاق الحفاظ وضعفهما مشهور في كتبهم ، وقد سبق بيان بعض هذا في ذكر مذاهب العلماء في وجوب التشهد ، والله أعلم



( فرع ) في مذاهبهم في استحباب تسليمة أو تسليمتين قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن المستحب أن يسلم تسليمتين ، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم حكاه الترمذي والقاضي أبو الطيب وآخرون عن أكثر العلماء . وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعلي [ ص: 463 ] بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر ونافع بن عبد الحارث رضي الله عنهم ، وعن عطاء بن أبي رباح وعلقمة والشعبي وأبي عبد الرحمن السلمي التابعين ، وعن الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي . قال وقالت طائفة : يسلم تسليمة واحدة قاله ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة رضي الله عنهم والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي قال ابن المنذر وقال عمار بن أبي عمار : كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين ومسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة ، وقال ابن المنذر وبالأول أقول ، ودليل الجميع يعرف من الأحاديث السابقة والله أعلم

( فرع ) مذهبنا الواجب تسليمة واحدة ، ولا تجب الثانية وبه : قال جمهور العلماء أو كلهم قال ابن المنذر أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة ، وحكى الطحاوي والقاضي أبو الطيب وآخرون عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعا ، وهي رواية عن أحمد وبهما قال بعض أصحاب مالك والله أعلم .



( فرع ) يستحب أن يدرج لفظة السلام ولا يمدها ، ولا أعلم فيه خلافا للعلماء . واحتج له أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم من أئمة الحديث والفقهاء بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : { حذف السلام سنة } رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي : هو حديث حسن صحيح قال : قال ابن المبارك معناه لا يمد مدا .



( فرع ) ينبغي للمأموم أن يسلم بعد سلام الإمام ، قال البغوي يستحب أن لا يبتدئ السلام حتى يفرغ الإمام من التسليمتين ، وقال المتولي يستحب أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى وهو ظاهر نص الشافعي في البويطي كما نقله البغوي فإنه قال : ( ومن كان خلف إمام فإذا فرغ الإمام من سلامه سلم عن يمينه وعن شماله ) هذا نصه ، واتفقوا على أنه يجوز أن يسلم بعد فراغ الإمام من الأولى وإنما الخلاف في الأفضل ولو قارنه في السلام فوجهان :

( أحدهما ) تبطل صلاته إن لم ينو مفارقته كما لو قارنه في تكبيرة الإحرام وأصحهما لا تبطل كما لو قارنه في باقي الأركان بخلاف تكبيرة الإحرام . فإنه لا يصير في صلاة حتى ، يفرغ منها فلا يربط [ ص: 464 ] صلاته بمن ليس في صلاة ، ولو سلم قبل شروع الإمام في السلام بطلت صلاته إن لم ينو مفارقته ، فإن نواها ففيه الخلاف فيمن نوى المفارقة ، ولا يكون مسلما بعده إلا أن يبتدئ بعد فراغ الإمام من الميم من قوله : السلام عليكم .



( فرع ) اتفق أصحابنا على أنه يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين ، وممن صرح به البغوي والمتولي وآخرون ونص عليه الشافعي رحمه الله في مختصر البويطي فقال : ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فلا يقوم لقضاء ما عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين . قال أصحابنا : فإن قام بعد فراغه من قول : السلام عليكم في الأولى جاز ; لأنه خرج من الصلاة ، فإن قام قبل شروع الإمام في التسليمتين بطلت صلاته إلا أن ينوي مفارقة الإمام فيجيء فيه الخلاف فيمن نوى المفارقة ، ولو قام بعد شروعه في السلام قبل أن يفرغ من قوله " عليكم " فهو كما لو قام قبل شروعه . ذكره البغوي وقال المتولي إذا قام المسبوق مقارنة للتسليمة الأولى ، فإن قلنا : للمأموم الموافق أن يسلم مقارنا للإمام جاز قيام المسبوق ; لأن كل حال جاز للموافق السلام فيها جاز للمسبوق المفارقة فيها ، كما بعد السلام . وإن قلنا : لا يجوز للموافق السلام مقارنا له لم يجز للمسبوق القيام مع المقارنة وتبطل صلاته إلا أن ينوي المفارقة ، ولو سلم الإمام فمكث المسبوق بعد سلامه جالسا وطال جلوسه ، قال أصحابنا : إن كان موضع تشهده الأول جاز ولا تبطل صلاته ; لأنه جلوس محسوب من صلاته وقد انقطعت القدوة . وقد قدمنا أن التشهد الأول يجوز تطويله لكنه يكره ، وإن لم يكن موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليمه ; لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت ، فإن جلس متعمدا عالما بطلت صلاته ، وإن كان ساهيا لم تبطل ويسجد للسهو .



( فرع ) إذا سلم الإمام التسليمة الأولى انقضت قدوة المأموم الموافق والمسبوق لخروجه من الصلاة ، والمأموم الموافق بالخيار إن شاء سلم بعده وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء وأطال ذلك ، هكذا ذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه نقلته بحروفه .



[ ص: 465 ] فرع ) قال الشافعي والأصحاب : إذا اقتصر الإمام على تسليمة يسن للمأموم تسليمتان ; لأنه خرج عن متابعته بالأولى ، بخلاف التشهد الأول ، فإن الإمام لو تركه لزم المأموم تركه ; لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام والله أعلم .



( فرع ) قال صاحب العدة : لو شرع في الظهر فتشهد بعد الركعة الرابعة ثم قام قبل السلام وشرع في العصر فإن فعل ذلك عمدا بطلت صلاة الظهر بقيامه ، وصحت العصر ، وإن قام ناسيا لم يصح شروعه في العصر ، فإن ذكر - والفصل قريب - عاد إلى الجلوس وسجد للسهو وسلم من الظهر وأجزأته ، وإن طال الفصل بطلت صلاته ووجب استئناف الصلاتين جميعا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث