الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يدخل مكة إلا بإحرام في حج أو عمرة

فصل : فإذا ثبت أن الإحرام لدخولها واجب ، فلا يخلو حاله عند دخولها من أحد أمرين : إما أن يدخل في شهور الحج أو في غير شهور الحج ، فإن دخل في شهور الحج كان بالخيار بين أن يدخلها محرما بحج أو عمرة ، فإن أحرم لدخولها إحراما موقوفا ، كان بالخيار بين أن يصرفه إلى حج أو عمرة ، وإن دخل في غير شهور الحج صرف إحرامه إلى عمرة ، ولم يجز صرف إحرامه إلى الحج ؛ لأن غير شهور الحج لا يصح الإحرام فيه بالحج ، وإن أحرم بالحج كان عمرة ، وتحلل بالطواف والسعي والحلاق ، فلا أحرم لدخولها في غير أشهر الحج إحراما موقوفا ودخلها محرما ، ولم يصرف إحرامه إلى العمرة حتى دخلت شهور الحج فأراد أن يصرف إحرامه إلى الحج لم يجز ؛ لأن الإحرام من غير أشهر الحج لا يقع موقوفا : لأن اتفاق الإحرام إنما يصح إذا جاز أن يتردد بين أن يصرف إلى حج أو عمرة ، وإحرامه في غير أشهر [ ص: 242 ] الحج لا ينصرف إلى الحج ، وإنما ينصرف إلى عمرة ولو أحرم بالحج لم يكن حجا وكان عمرة ، فكذا إذا أحرم موقوفا لم يكن موقوفا وكان عمرة .

فصل : فإن دخل مكة غير محرم بنسك فقد أساء على القول الأول ، وعصى على القول الثاني ، ولا قضاء عليه على القولين معا .

وقال أبو حنيفة : عليه القضاء إلا أن يكون مكيا فلا يلزمه القضاء : لأنه لما كان الإحرام بأحد النسكين واجبا صار أحد النسكين بدخول مكة واجبا ، ومن وجب عليه نسك من حج أو عمرة فلم يأت به فعليه قضاؤه ، كحجة الإسلام والنذر .

والدلالة عليه أنه دخل مكة بغير نسك ، فوجب أن لا يلزمه قضاء نسك كالمكي ؛ ولأنه لو كان مكيا لم يلزمه القضاء فوجب ، وإن كان غير مكي أن لا يلزمه القضاء كالحطابين والسقايين ؛ ولأن القضاء غير ممكن ؛ لأنه إذا أراد الدخول ثانية للقضاء تعلق الإحرام بالدخول الثاني كتعلقه بالدخول الأول ، فلم يخلص له حالة يصح فيها القضاء إلا ومتعلق بها فعل الإحرام فامتنع القضاء ، فأما اعتبارهم ذلك بحجة الإسلام فغير صحيح من وجهين :

أحدهما : أنه حجة الإسلام لا تقضى ؛ لأنه في أي الزمان فعلها كان مؤديا ولم يكن قاضيا .

والثاني : أنه وإن وجب القضاء بالفساد والفوات ، قضاؤه ممكن : لأن زمان القضاء لا يتعلق به ما يوجب القضاء ، وقضاء الدخول يتعلق به ما يتعلق بابتداء الدخول فلم يصح القضاء ، فإذا ثبت أن لا قضاء عليه فلا كفارة عليه : لأن الكفارة إنما تجب جبرانا لنقص دخل على نسك ، فإذا لم يأت بالنسك لم يلزمه جبران ما عدم أصله ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث