الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الأيام المعلومات والأيام المعدودات

[ ص: 366 ] باب الأيام المعلومات والأيام المعدودات

( قال الشافعي ) رضي الله عنه : " والأيام المعلومات العشر وآخرها يوم النحر ، والمعدودات ثلاثة أيام بعد النحر ( قال المزني ) سماهن الله عز وجل باسمين مختلفين وأجمعوا أن الاسمين لم يقعا على أيام واحدة وإن لم يقعا على أيام واحدة فأشبه الأمرين أن تكون كل أيام منها غير الأخرى كما أن اسم كل يوم غير الآخر وهو ما قال الشافعي عندي ( قال المزني ) فإن قيل لو كانت المعلومات العشر لكان النحر في جميعها فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات فيها - يقال له قال الله عز وجل سبع سماوات طباقا ، وجعل القمر فيهن نورا وليس القمر في جميعها وإنما هو في واحدها ؛ أفيبطل أن يكون القمر فيهن نورا كما قال الله جل وعز وفي ذلك دليل لما قال الشافعي وبالله التوفيق " .

قال الماوردي : وأصل هذا أن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أياما معلومات ، وأياما معدودات قال الله عز وجل : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] ، وقال تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه [ البقرة : 203 ] ، فاختلف الناس في المعلومات والمعدودات ؛ فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن الأيام المعلومات العشر من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، والأيام المعلومات أيام التشريق الثلاثة وهي الحادي عشر ، والثاني عشر والثالث عشر .

وقال مالك : يوم النحر من المعلومات المحضة دون ما قبله من العشر ، واليوم الثالث عشر وهو آخر أيام التشريق من المعدودات المحضة واليوم - الحادي عشر ، والثاني عشر مشتركان في المعلومات والمعدودات .

وقال أبو حنيفة : يوم عرفة ويوم النحر من المعلومات المحضة ، واليوم الثاني عشر والثالث عشر من المعدودات المحضة واليوم الحادي عشر مشترك في المعلومات والمعدودات ؛ واستدلالا بقوله تعالي : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] .

[ ص: 367 ] قال مالك : فلما جعل التسمية على بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وذلك في يوم النحر دون ما قبله من العشر دل على أن ما قبل يوم النحر ليس منها .

وقال أبو حنيفة : لما قال : ليشهدوا منافع لهم بالحج : 28 ] يعني : الوقوف بعرفة

دل على أن يوم عرفة من المعلومات وما قبل يوم عرفة ليس منها .

والدلالة على ما قلنا : هو أن الله تعالى ذكرهما باسمين مختلفين فدل ذلك على اختلاف المسميين ، وإذا اختلفا لم يجز أن يشتركا ، فإذا انفردا ولم يشتركا ثبت قولنا ، لأن كل من أفردهما جعل العشر من المعلومات ، وأيام التشريق من المعدودات وقال تعالى : والفجر وليال عشر والشفع والوتر [ الفجر : 3 ] ، قال أهل العلم : وليال عشر ، يعني : عشر ذي الحجة ، و " والشفع " يعني : يوم النحر ، و " والوتر " يعني يوم عرفة فلما جعل في العشر التي شرفها وأقسم بها يوم النحر وعرفة وهما من المعلومات علم أن ما دخلا فيه في العشر كله من المعلومات ، وروى ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل أيام التشريق ذبح ، ومالك يمنع من الذبح في اليوم الثالث ، ولأن يوم الحادي عشر يوم يسن فيه رمي الجمرات الثلاث فلم يجز أن يكون من المعلومات كالثالث عشر ، ولأن ما دخل في أحد العددين انتفى عن الآخر كالعاشر لما دخل في المعلومات انتفى عن المعدودات وكالثالث عشر لما دخل في المعدودات انتفى عن المعلومات .

وأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين :

أحدهما : أن الشيء قد يضاف إلى الجملة وإن كان يقع في بعض تلك الجملة كما قال تعالى : سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا [ نوح : 16 ] ، وليس القمر في جميعها وإنما هو في واحدة منها وكقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة : 197 ] ، وليس الحج في جميعها وإنما هو في بعضها وكما يقال : يوم الجمعة ، وليست الجمعة تقام في جميع اليوم وإنما تقام في بعضه . والجواب الثاني : إن الله تعالى أضاف الذكر على البهيمة إلى الأيام المعلومات ، والذكر عندنا يقع في جميع العشر : لأنه - إذا ساق الهدي وسمى اسم الله تعالى وكبر من أول العشر - على ما فعل الصحابة رضي الله عنهم وجرى به العمل فأما المنافع التي أرادها تعالى بقوله : ليشهدوا منافع لهم [ الحج : 28 ] ، ففيها ثلاثة أقاويل :

أحدها : إنها المواقف وقضاء المناسك .

والثاني : إنها المغفرة .

[ ص: 368 ] والثالث : إنها التجارة .

فإن قيل فلما ذكرها الله تعالى بهذين الاسمين المختلفين : قيل : لأمر علمه ويجوز أن يكون سمى المعلومات بهذا الاسم : لأن ما علم من أفعال الحج يقع فيها كالتعريف يوم عرفة والرمي والنحر والطواف يوم النحر ، كما أن الحج أشهر معلومات من أجل ما علم فيهن من الحج وسمى المعدودات أيام التشريق : لأنها أيام معدودة مستوية الأحكام في الرمي والتلبية والنحر ، فإن قيل : فيوم النحر يقع فيه النحر قيل لم يقع فيه لنفسه وإنما وقع فيه ، لأنه يقع لما يتعلق الإحلال به ، والله أعلم .

فإن قيل أي الأيام أشرف : المعلومات أو المعدودات ؟ قيل المعلومات أشرف لقوله تعالى : والفجر وليال عشر ، [ الفجر : 1 ] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله تعالى من عشر ذي الحجة فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد ، فقيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله تعالى ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا المعفر في التراب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث