الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( الذي يقتضي سجود السهو أمران زيادة ونقصان ، فأما الزيادة فضربان : قول وفعل فالقول أن يسلم في غير موضع السلام ناسيا أو يتكلم ناسيا فيسجد للسهو ، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم " { سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين وأتم صلاته وسجد سجدتين } " وإن قرأ في غير موضع القراءة سجد ; لأنه قول في غير موضعه فصار كالسلام ، وأما الفعل فضربان ضرب لا يبطل عمده الصلاة وضرب يبطل فما لا يبطل عمده الصلاة كالالتفات والخطوة والخطوتين فلا يسجد له ; لأن عمده لا يؤثر فسهوه لا يقتضي السجود ، وأما ما يبطل عمده فضربان متحقق ومتوهم .

فالمتحقق أن يسهو فيزيد في صلاته ركعة أو ركوعا أو سجودا أو قياما أو قعودا أو يطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو فيسجد للسهو .

والدليل عليه ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى الظهر خمسا فقيل له : صليت خمسا فسجد سجدتين [ ص: 52 ] وهو جالس بعد التسليم } وأما المتوهم فهو أن يشك هل صلى ركعة أو ركعتين ؟ : فيلزمه أن يصلي ركعة أخرى ثم يسجد للسهو لحديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه في أول الباب ، فإن قام من الركعتين ، فرجع إلى القعود قبل أن ينتصب قائما ففيه قولان : ( أحدهما ) : يسجد للسهو ; لأنه زاد في صلاته فعلا تبطل الصلاة بعمده فيسجد ، كما لو زاد قياما أو ركوعا ( والثاني ) : لا يسجد وهو الأصح ; لأنه عمل قليل فهو كالالتفات والخطوة .

وأما النقصان فهو أن يترك سنة مقصودة وذلك شيئان : ( أحدهما ) : أن يترك التشهد الأول ناسيا فيسجد للسهو ; لما روى ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم { قام من اثنتين فلما جلس من أربع انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم } ( والثاني ) : أن يترك القنوت ساهيا فيسجد للسهو ; لأنه سنة مقصودة في محلها فتعلق السجود بتركها كالتشهد الأول ، وإن ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول فإن قلنا : إنها ليست بسنة فلا يسجد ، وإن قلنا : إنها سنة سجد ; لأنه ذكر مقصود في موضعه فهو كالتشهد الأول فإن ترك التشهد الأول أو القنوت عامدا سجد للسهو ومن أصحابنا من قال : لا يسجد ; لأنه مضاف إلى السهو فلا يفعل مع العمد ، والمذهب الأول ; لأنه إذا سجد لتركه ساهيا فلأن يسجد لتركه عامدا أولى وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش وما أشبهها لم يسجد ; لأنه ليس بمقصود في موضعه فلم يتعلق بتركه الجبران ، وإن شك هل سها ؟ نظرت فإن كان في زيادة هل زاد أم لا ؟ لم يسجد ; لأن الأصل أنه لم يزد ، وإن كان في نقصان هل ترك التشهد أو القنوت أم لا ؟ سجد ; لأن الأصل أنه لم يفعل فسجد لتركه )

التالي السابق


( الشرح ) : الأحاديث المذكورة سبق بيانها في أول الباب .

( وأما الأحكام ) فقال أصحابنا : الذي يقتضي سجود السهو قسمان ترك مأمور به أو ارتكاب منهي عنه ، أما المأمور به فنوعان ترك ركن وغيره ، أما الركن فإذا تركه لم يكف عنه السجود ، بل لا بد من تداركه كما سبق ، ثم قد يقتضي الحال سجود السهو بعد التدارك ، وقد لا يقتضيه كما سنفصله إن شاء الله .

وأما غير الركن فضربان أبعاض وغيرها ، وقد سبق بيان الأبعاض في آخر صفة الصلاة ، وهي التشهد الأول والجلوس له ، والقنوت والقيام له ، وكذا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله إذا تركهما في التشهد الأول وقلنا : إنهما سنة ، وكذا الصلاة على الآل في التشهد الأخير إذا [ ص: 53 ] قلنا بالمذهب : إنها ليست واجبة بل هي سنة ، وكل واحد من هذه الأبعاض مجبور بسجود السهو إذا تركه سهوا لحديث عبد الله ابن بحينة رضي الله عنهما السابق في أول الباب .

وإن تركه عمدا فوجهان مشهوران أحدهما لا يسجد ; لأن السجود مشروع للسهو وهذا غير ساه .

لأن السجود شرع جبرا لخلل الصلاة ورفقا بالمصلي إذا تركه سهوا لعذره .

وهذا غير موجود في العامد فإنه مقصر .

وحكى الشيخ أبو حامد هذا الوجه عن أبي إسحاق المروزي وأبي حنيفة ( والثاني ) : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب يسجد ; لأنه إذا شرع للساهي فالعامد المقصر أولى ، وأما غير الأبعاض من السنن كالتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين والتكبيرات والتسبيحات والدعوات والجهر والإسرار والتورك والافتراش والسورة بعد الفاتحة ووضع اليدين على الركبتين وتكبيرات العيد الزائدة وسائر الهيئات المسنونات غير الأبعاض فلا يسجد لها ، سواء تركها عمدا أو سهوا ; لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود لشيء منها ، والسجود زيادة في الصلاة فلا يجوز إلا بتوقيف .

وتخالف الأبعاض فإنه ورد التوقيف في التشهد الأول وجلوسه وقسنا باقيها عليه لاستواء الجميع في أنها سنن متأكدة .

وحكى جماعة من أصحابنا قولا قديما أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرا كان أو فعلا ووجهه أنه يسجد لنسيان تسبيح الركوع والسجود ، وهما شاذان ضعيفان ، والصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور أنه لا يسجد لشيء منها غير الأبعاض ; لما ذكرناه



أما المنهي عنه فصنفان : ( أحدهما ) : ما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة والخطوتين على الأصح .

وكذا الضربة والضربتان والإقعاء في الجلوس ، ووضع اليد على الفم والخاصرة والفكر في الصلاة والنظر إلى ما يلهي ورفع البصر إلى السماء ، وكف الثوب والشعر ومسح الحصى والتثاؤب والعبث بلحيته وأنفه وأشباه ذلك ، فهذا كله لا يسجد لعمده ولا لسهوه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أعلام الخميصة وقال : ألهتني أعلامها ، وتذكر تبرا كان عنده في الصلاة ، وحمل أمامة ووضعها ، وخلع نعليه [ ص: 54 ] في الصلاة ولم يسجد لشيء من ذلك ( والثاني ) : ما تبطل الصلاة بعمده كالكلام والركوع والسجود الزائدين فهذا يسجد لسهوه إذا لم تبطل به الصلاة .

أما إذا بطلت به الصلاة فلا سجود ، وذلك كالأكل والفعل والكلام إذا أكثر منها ساهيا فإن الصلاة تبطل به على الأصح كما سبق ، وكذلك الحدث تبطل به وإن كان سهوا فلا سجود ، وإذا سلم في غير موضعه ناسيا أو قرأ في غير موضعه ناسيا أو قرأ في غير موضع القراءة غير الفاتحة أو الفاتحة سهوا أو عمدا إذا قلنا بالصحيح : إن قراءتها في غير موضعها عمدا لا تبطل الصلاة ، سجد للسهو ، ولنا وجه ضعيف أن القراءة في غير موضعها لا يسجد لها .

وبه قطع العبدري ونقله عن العلماء كافة إلا أحمد في رواية عنه



( فرع ) قال الأصحاب : القيام والركوع والسجود والتشهد أركان طويلة بلا خلاف فلا يضر تطويلها قال البغوي : ولا يضر أيضا تطويل التشهد الأول بلا خلاف .

قال أصحابنا الخراسانيون : والاعتدال عن الركوع ركن قصير أمر المصلي بتخفيفه ، فلو أطاله عمدا بالسكوت أو القنوت حيث لم يشرع أو بذكر آخر فثلاثة أوجه أصحها عند إمام الحرمين وبه قطع البغوي : تبطل صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل في القنوت أو في صلاة التسبيح .

وقد قطع المصنف بهذا في قوله : أو يطيل القيام بنية القنوت ، ومراده إطالة الاعتدال ، وذكره في القسم الذي تبطل الصلاة بعمده ، والثاني : لا تبطل كما لو طول الركوع وبه قطع القاضي أبو الطيب والثالث : إن قنت عمدا في اعتداله في غير موضعه بطلت صلاته وإن طوله بذكر آخر لا بقصد القنوت لم تبطل .

هذا نقل الأصحاب ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال { صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت : يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه } .

[ ص: 55 ] هذا لفظ رواية مسلم ، وفيه التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر والجواب عنه صعب على من منع الإطالة فالأقوى جوازها بالذكر والله أعلم



وأما الجلوس بين السجدتين ففيه وجهان مشهوران : ( أحدهما ) : أنه ركن قصير وبه قطع الشيخ أبو محمد والبغوي وغيرهما وصححه الرافعي ( والثاني ) : أنه طويل قاله ابن سريج والأكثرون .

فإن قلنا : طويل فلا بأس بتطويله عمدا ، وإن قلنا : قصير ففي تطويله عمدا الخلاف المذكور في الاعتدال



قالوا : ولو نقل ركنا ذكريا إلى ركن طويل بأن قرأ الفاتحة أو بعضها في الركوع ، أو في السجود أو الجلوس في آخر الصلاة أو قرأ التشهد أو بعضه في القيام أو في الركوع عمدا فطريقان : ( أحدهما ) : لا تبطل صلاته ، وأصحهما فيه وجهان ( أحدهما ) : تبطل كما لو نقل ركنا فعليا ( وأصحهما ) : لا تبطل ; لأنه لا يخل بصورتها بخلاف الفعل ، وطردوا هذا الخلاف فيما لو نقله إلى الاعتدال ، ولم يطل ، فإن قرأ بعض الفاتحة أو بعض التشهد ، فإن اجتمع المعنيان فطول الاعتدال بالفاتحة أو بالتشهد بطلت على أصح الوجهين ، وقيل تبطل قطعا ، وحيث قلنا في هذه الصور : تبطل الصلاة بعمده ففعله سهوا سجد للسهو ، وإن قلنا : لا تبطل بعمده فهل يسجد لسهوه ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) : لا كسائر ما لا يبطل عمده ، وأصحهما : يسجد لإخلاله بصورتها وتستثنى هذه الصورة عن قولنا ما لا يبطل عمده ، لا يسجد لسهوه .



( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يسجد للسهو للزيادة وللنقص ، وبه قال جميع العلماء من السلف والخلف .

قال الشيخ أبو حامد : إلا علقمة والأسود صاحبي ابن مسعود فقالا لا يسجد للزيادة : دليلنا الأحاديث السابقة



( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يسجد لترك الجهر والإسرار والتسبيح وسائر الهيئات ، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : يسجد للجهر والإسرار ، وقال مالك : يسجد لترك جميع الهيئات ، قال الشيخ أبو حامد : وقال ابن أبي ليلى : إذا أسر في موضع الجهر أو عكس بطلت صلاته ، وحكى العبدري عن الأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين عنه لا يسجد للجهر في موضع الإسرار ، [ ص: 56 ] ولا للإسرار في موضع الجهر ، وعن أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي ثور وإسحاق أنه يسجد .

وقال أبو حنيفة وأحمد : يسجد لترك تكبيرات العيد .

وعن الحكم وإسحاق أنه يسجد لجميع ذلك



، وأما إذا ترك التشهد الأول عمدا فالأصح عندنا : أنه يسجد للسهو ، وبه قال مالك وقال النخعي وأبو حنيفة وابن القاسم : لا يسجد .

وقال أحمد : تبطل صلاته



( فرع ) من القواعد المتكررة في أبواب الفقه أنا إذا تيقنا وجود شيء أو عدمه ثم شككنا في تغيره وزواله عما كان عليه استصحبنا حكم اليقين وطرحنا حكم الشك إلا في مسائل قليلة تقدم بيانها في باب الشك في نجاسة الماء واستوعبناها هناك وذكرنا الخلاف فيها موضحا .

قال أصحابنا : فإذا شك في ترك مأمور يجبر تركه بالسجود وهو الأبعاض فالأصل أنه لم يفعله فيسجد للسهو ، وهذا لا خلاف فيه قال البغوي : هذا إذا كان الشك في ترك مأمور به معين ، فأما إذا شك هل ترك مأمورا به مطلقا أم لا ؟ فلا يسجد ، كما لو شك هل سها أم لا ؟ فإنه لا يسجد قطعا ، وإن شك هل زاد في الصلاة ركعة أو سجدة أو غيرهما أم لا ؟ أو هل ارتكب منهيا ككلام وسلام ناسيا ؟ لم يسجد ; لأن الأصل عدمه ، ولو تيقن السهو وشك هل سجد له أم لا ؟ فليسجد ; لأن الأصل عدم السجود ، ولو شك هل سجد للسهو سجدة أم سجدتين ؟ سجد أخرى ولو تيقن السهو وشك هل هو ترك مأمورا أو ارتكب منهيا عنه ، سجد لتحقق سبب السجود ، ولا يضر جهل عينه ، ولو شك هل صلى ثلاثا أم أربعا ؟ أخذ بالأقل كما سبق فيأتي بركعة ويسجد للسهو .

واختلفوا في سبب السجود في هذه المسألة فقال الشيخ أبو محمد الجويني وطائفة : المعتمد فيه الحديث ولا يظهر معناه واختاره إمام الحرمين والغزالي والأصح ما قاله القفال والشيخ أبو علي والبغوي وآخرون ، وصححه الرافعي في المحرر أن سببه التردد في الركعة التي يأتي بها هل هي رابعة أم زائدة تقتضي السجود ؟ وهذا التردد يقتضي السجود ، فلو زال تردده قبل السلام وقبل السجود وعرف أن التي يأتي بها رابعة لم يسجد على الأول ، ويسجد على الثاني .

وضبط أصحاب الوجه الثاني صورة الشك وزواله فقالوا : إن كان [ ص: 57 ] ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله لا بد منه على كل احتمال لم يسجد للسهو .

وإن كان زائدا على بعض الاحتمالات سجد



مثاله : شك في قيامه من الظهر أن تلك الركعة ثالثة أم رابعة ؟ فركع وسجد على هذا الشك وهو عازم على القيام إلى ركعة أخرى أخذا باليقين ، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثة أو رابعة فلا يسجد ; لأن ما فعله على الشك لا بد منه على التقديرين ، فإن لم يتذكر حتى قام سجد للسهو ، وإن تيقن أن التي قام إليها رابعة ; لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان موجودا حين قام



( فرع ) لو أدرك مسبوق الإمام راكعا وشك هل أدرك ركوعه المجزئ فسيأتي في بابه إن شاء الله - تعالى - أنه لا تحسب له هذه الركعة على الصحيح ، قال الغزالي في الفتاوى : فعلى هذا يسجد للسهو كما لو شك هل صلى ثلاثا أم أربعا ؟ وهذا الذي قاله الغزالي ظاهر ، ولا يقال : يتحمل عنه الإمام ; لأن هذا الشخص بعد سلام الإمام شاك في عدد ركعاته والله أعلم



( فرع ) قد سبق أن فوات التشهد الأول أو جلوسه يقتضي سجود السهو ، فإذا نهض من الركعة الثانية ناسيا للتشهد أو جلس ولم يقرأ التشهد ثم نهض ناسيا ثم تذكر فله حالان ، أحدهما : أن يتذكر بعد الانتصاب قائما فيحرم العود إلى القعود ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، ودليله حديث المغيرة السابق ، وفيه وجه شاذ أنه يجوز العود ما لم يشرع في القراءة ، لكن الأولى أن لا يعود حكاه الرافعي وهو ضعيف أو باطل ، والصواب تحريم العود ، فإن عاد متعمدا عالما بتحريمه بطلت صلاته ، وإن عاد ناسيا لم تبطل ، ويلزمه أن يقوم عند تذكره ويسجد للسهو .

قال الشيخ أبو حامد وغيره : ويكون سجود السهو هنا لزيادة ونقص ; لأنه زاد جلوسا في غير موضعه وترك التشهد والجلوس في موضعه ، وإن عاد جاهلا بتحريمه فوجهان حكاهما البغوي وغيره .

قالوا : أصحهما أنه كالناسي ; لأنه يخفى على العوام ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد وغيره .

( والثاني ) : أنه كالعامد ; لأنه مقصر بترك التعلم ، هذا حكم المنفرد والإمام في معناه فلا يجوز العود بعد الانتصاب ولا يجوز للمأموم أن يتخلف عنه [ ص: 58 ] للتشهد فإن فعل بطلت صلاته ، فإن نوى مفارقته ليتشهد جاز وكان مفارقا بعذر ، ولو انتصب مع الإمام فعاد الإمام للتشهد لم يجز للمأموم العود ، بل ينوي مفارقته ، وهل له أن ينتظره قائما حملا على أنه عاد ناسيا ؟ فيه وجهان سبق مثلهما في التنحنح أصحهما له ذلك .

فلو عاد المأموم مع الإمام عالما بتحريمه بطلت صلاته ، وإن عاد ناسيا أو جاهلا لم تبطل ، ولو قعد المأموم فانتصب الإمام ثم عاد لزم المأموم القيام ; لأنه توجه عليه بانتصاب الإمام



ولو قعد الإمام للتشهد الأول وقام المأموم ناسيا أو ناهضا فتذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب وانتصب المأموم فثلاثة أوجه ( أصحها ) : يجب على المأموم العود إلى التشهد لمتابعة الإمام ; لأنها آكد ، ولهذا سقط بها القيام والقراءة عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا ، فإن لم يعد بطلت صلاته ، وبهذا الوجه قطع البغوي وغيره ، وصححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي ومتابعوهما ( والثاني ) : يحرم العود كما يحرم على المنفرد ( والثالث ) : يجوز ولا يجب ، وادعى إمام الحرمين أنه لا يجب العود بلا خلاف ، وليس كما ادعى ، بل المسألة مشهورة بالخلاف في الوجوب ، صرح به الشيخ أبو حامد ومتابعوه ، وصرحوا بتصحيح وجوب الرجوع ، وقطع به البغوي وغيره ، وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر باب صلاة الجماعة .

ولو قام المأموم عمدا فقد قطع إمام الحرمين بتحريم العود ، قال : كما لو ركع قبل الإمام أو رفع قبله فإنه يحرم العود ، فإن عاد بطلت صلاته ; لأنه زاد ركنا عمدا قال فلو فعله سهوا بأن سمع صوتا فظن أن الإمام ركع فركع فبان أنه لم يركع ففي جواز الرجوع وجهان .

وقال البغوي وغيره في وجوب الرجوع وجهان ( أحدهما ) : يجب ، فإن لم يرجع بطلت صلاته ( وأصحهما ) : لا يجب بل يتخير بين الرجوع وعدمه قال الرافعي : وللنزاع في صورة قصد القيام بحال ظاهر ; لأن أصحابنا العراقيين أطبقوا على أنه لو ركع قبل الإمام عمدا استحب له أن يرجع إلى القيام ليركع مع الإمام فجعلوه مستحبا .

( قلت ) هذا الذي نقله عن العراقيين هو كذلك في أكثر كتبهم ، وقد نص عليه الشافعي رضي الله عنه في الأم ، وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب المهذب وغيرهما من العراقيين بوجوب الرجوع ونقله أبو حامد عن نصه في القديم فالأصح أنه مستحب كما نص عليه في الأم وقالوه والله أعلم .

[ ص: 59 ] الحال الثاني ) : أن يتذكر قبل الانتصاب قائما ، قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله - : يرجع إلى القعود للتشهد ، والمراد بالانتصاب الاعتدال والاستواء ، هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور وفيه وجه حكاه الرافعي أن المراد به أن يصير إلى حال هي أرفع من حد أقل الركوع .

والمذهب الأول ، ثم إذا عاد قبل الانتصاب هل يسجد للسهو ؟ فيه قولان مشهوران ( أصحهما ) : عند المصنف وجمهور الأصحاب لا يسجد ( والثاني ) : يسجد وصححه القاضي أبو الطيب وقال القفال وطائفة : إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود ثم عاد سجد وإن كان إلى القعود أقرب أو استوت نسبتهما لم يسجد ، وقال الشيخ أبو محمد وآخرون : إن عاد قبل الانتهاء إلى حد الراكعين لم يسجد ، وإن عاد بعد الانتهاء إليه سجد ، قال الرافعي هذه العبارة وعبارة القفال ورفقته متقاربتان ، ولكن عبارة القفال أوفى بالغرض ، وهي أظهر من إطلاق القولين ، وهي توسط بين القولين وحمل لهما على حالين .

وبها قطع البغوي ، وقد يحتج ; لما صححه المصنف والجمهور بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا سهو في وثبة الصلاة إلا في قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام } " ورواه الحاكم ، وادعى أن إسناده صحيح ، وليس كما ادعى بل هو ضعيف تفرد به أبو بكر العنسي بالنون ، وهو مجهول كذا قاله البيهقي والمحققون والله أعلم .

ثم جميع ما ذكرناه في الحالين هو فيما إذا ترك التشهد ناسيا ونهض فأما إذا تعمد ذلك ثم عاد قبل الانتصاب ، فإن عاد بعد أن صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته ، وإن عاد قبله لم تبطل ، هكذا صرح به البغوي وغيره



وأما قول المصنف : فإن قام من الركعتين ولم ينتصب قائما ففيه قولان ( أحدهما ) : يسجد لأنه زاد فعلا تبطل الصلاة بعمده ، فهكذا قاله أيضا غيره وليس هو مخالفا ; لما ذكره البغوي وغيره ; لأن ما ذكره المصنف وموافقوه المراد به من زاد هذا النهوض عمدا لا لمعنى وهذا يبطل الصلاة لإخلاله بنظمها ، وما ذكره البغوي وغيره المراد به من قام متعمدا ترك التشهد الأول فبدا له قبل أن يصير إلى القيام أقرب أن يرجع فرجع لا تبطل صلاته ; لأن [ ص: 60 ] ذلك النهوض كان جائزا ، أما إذا كان يصلي قاعدا فافتتح القراءة بعد الركعتين فإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد وأنه جاء وقت الثالثة لم يعد بعد ذلك إلى قراءة التشهد على أصح الوجهين ، وإن سبق لسانه إلى القراءة وهو عالم بأنه لم يتشهد فله العود إلى التشهد .

قال أصحابنا : وترك القنوت يقاس بما ذكرناه في التشهد فإذا نسيه ثم تذكره بعد وضع الجبهة على الأرض لم يجز العود إليه ، وإن كان قبله فله العود إليه ، ثم إن عاد قبل بلوغ حد الراكعين أو بعده فحكم سجود السهو ما سبق والله أعلم .



( فرع ) إذا جلس في الركعة الأخيرة عن قيام ظانا أنه أتى بالسجدتين فتشهد ثم تذكر الحال بعد التشهد لزمه تدارك السجدتين ثم إعادة التشهد ويسجد للسهو ، ولو اتفق ذلك في الركعة الثانية من صلاة رباعية أو ثلاثية فكذلك يتدارك السجدتين ويعيد التشهد ويسجد للسهو في موضعه ، إلا أن إعادة التشهد هنا سنة وهناك واجبة ، ولو اتفق ذلك في ركعة لا يعقبها تشهد ، فإذا تذكر تدارك السجدتين وقام سجد للسهو .

أما إذا جلس بعد السجدتين في الركعة الأولى أو الثالثة من رباعية ، وقرأ التشهد أو بعضه ناسيا ثم تذكر فيقوم ويسجد للسهو ; لأنه زاد قعودا طويلا فلو لو يطل قعوده لم يسجد ، والتطويل أن يزيد على قدر جلسة الاستراحة هكذا قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وجميع الأصحاب أما إذا ترك السجدة الثانية وتشهد ثم تذكر فيتدارك السجدة الثانية ويعيد التشهد إذا كان في موضعه ، وهل يسجد للسهو ؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي الصحيح أنه يسجد ولو لم يتشهد ، لكن إذا طول الجلوس بين السجدتين سجد للسهو أيضا إن قلنا : إنه ركن قصير وإلا فلا ، ولو جلس عن قيام ولم يتشهد ثم تذكر اشتغل بالسجدتين وما بعدهما على ترتيب صلاته ، ثم إن طال جلوسه سجد للسهو ، وإن لم يطل بل كان في حد جلسة الاستراحة لم يسجد ; لأن تعمده في غير موضعه لا يبطل الصلاة بخلاف الركوع والسجود والقيام ، فإن تعمدها يبطل الصلاة وإن قصر الزمان ; لأنها لا تقع من نفس الصلاة إلا أركانا ، فكان تأثيرها أشد بخلاف الجلوس فإنه معهود من نفس الصلاة غير ركن في التشهد الأول وجلسة الاستراحة .



[ ص: 61 ] فرع ) لو قام في صلاة رباعية إلى خامسة ناسيا ثم تذكر قبل السلام ، فعليه أن يعود إلى الجلوس ويسجد للسهو ويسلم ، سواء تذكر في قيام الخامسة أو بعده ، وأما التشهد فإن تذكر الحالة بعد التشهد في الخامسة أجزأه ولا يعيده ، وإن تذكر قبل التشهد في الخامسة ، ولم يكن تشهد في الرابعة وجب التشهد ، وإن تذكر قبل التشهد في الخامسة ، وكان تشهد في الرابعة كفاه ، ولم يحتج إلى إعادته ، سواء كان تشهد بنية التشهد الأول أو الأخير ، وفيه وجه حكاه ابن سريج والأصحاب أنه يجب إعادته في الحالين ، ووجه ثالث أنه يجب إعادته إن كان تشهد بنية التشهد الأول ، ولا يجب إن كان تشهد بنية التشهد الأخير ، والصحيح : أنها لا تجب مطلقا ، ولو ترك الركوع ناسيا فتذكره في السجود فهل يجب الرجوع إلى القيام ليركع منه ؟ أم يكفيه أن يقوم راكعا ؟ فيه وجهان يحكيان عن ابن سريج ، أصحهما وجوب الرجوع ; لأن شرط الركوع ألا يقصد بالهوي إليه غيره ، وهذا قصد السجود .



( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن نسي التشهد الأول ونهض مذهبنا : أنه إن انتصب قائما لم يعد ، وإلا عاد ، قال الشيخ أبو حامد : وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ، وقال مالك : إن كان إلى القيام أقرب لم يعد ، وإلا عاد ، وقال النخعي : إن ذكر قبل استفتاح القراءة عاد ، وإلا فلا ، وقال الحسن : إن ذكره قبل الركوع عاد وإلا فلا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث