الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وعلى هذا يخرج الصلاة في السفينة إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود أن يجوز إذا كان عاجزا عن القيام والسفينة جارية ، ولو قام يدور رأسه ، وجملة الكلام في الصلاة في السفينة أن السفينة لا تخلو أما إن كانت واقفة أو سائرة ، فإن كانت واقفة في الماء أو كانت مستقرة على الأرض جازت الصلاة فيها وإن أمكنه الخروج منها ; لأنها إذا استقرت كان حكمها حكم الأرض ، ولا تجوز إلا قائما بركوع وسجود متوجها إلى القبلة ; لأنه قادر على تحصيل الأركان والشرائط .

وإن كانت مربوطة غير مستقرة على الأرض فإن أمكنه الخروج منها لا تجوز الصلاة فيها قاعدا ; لأنها إذا لم تكن مستقرة على الأرض فهي بمنزلة الدابة ، ولا يجوز أداء الفرض على الدابة مع إمكان النزول كذا هذا وإن كانت سائرة فإن أمكنه الخروج إلى الشط يستحب له الخروج إليه ; لأنه يخاف دوران الرأس في السفينة فيحتاج إلى القعود ، وهو آمن عن الدوران في الشط ، فإن لم يخرج وصلى فيها قائما بركوع وسجود أجزأه لما روي عن ابن سيرين أنه قال : صلى بنا أنس رضي الله عنه في السفينة قعودا ، ولو شئنا لخرجنا إلى الحد ; ولأن السفينة بمنزلة الأرض ; لأن سيرها غير مضاف إليه فلا يكون منافيا للصلاة ، بخلاف الدابة فإن سيرها مضاف إليه ، وإذا دارت السفينة وهو يصلي يتوجه إلى القبلة حيث دارت ; لأنه قادر على تحصيل هذا الشرط من غير تعذر ، فيجب عليه تحصيله ، بخلاف الدابة فإن هناك لا إمكان وأما إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود فإن كان عاجزا عن القيام - بأن كان يعلم أنه يدور رأسه لو قام - وعن الخروج إلى الشط - أيضا - يجزئه بالاتفاق ; لأن أركان الصلاة تسقط بعذر العجز ، وإن كان قادرا على القعود بركوع وسجود فصلى بالإيماء لا يجزئه بالاتفاق ; لأنه لا عذر وأما إذا كان قادرا على القيام أو على الخروج إلى الشط فصلى قاعدا بركوع وسجود أجزأه في قول أبي حنيفة - وقد أساء - ، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجزئه .

( واحتجا ) بقول النبي صلى الله عليه وسلم : { فإن لم تستطع فقاعدا } ، وهذا مستطيع للقيام ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحبشة أمره أن يصلي في السفينة قائما إلا أن يخاف الغرق ، ولأن القيام ركن في الصلاة فلا يسقط إلا بعذر ولم يوجد .

( ولأبي ) حنيفة ما روينا من حديث أنس رضي الله عنه وذكر الحسن بن زياد في كتابه بإسناده عن سويد بن غفلة أنه قال : سألت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما عن الصلاة في [ ص: 110 ] السفينة فقالا : إن كانت جارية يصلي قاعدا ، وإن كانت راسية يصلي قائما من غير فصل بين ما إذا قدر على القيام أو لا ; ولأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالبا ، والسبب يقوم مقام المسبب إذا كان في الوقوف على المسبب حرج ، أو كان المسبب بحال يكون عدمه مع وجود السبب في غاية الندرة ، فألحقوا النادر بالعدم ، ولهذا أقام أبو حنيفة المباشرة الفاحشة مقام خروج المذي ، لما أن عدم الخروج عند ذلك نادر ولا عبرة بالنادر ، وههنا عدم دوران الرأس في غاية الندرة فسقط اعتباره وصار كالراكب على الدابة وهي تسير أنه يسقط القيام لتعذر القيام عليها غالبا ، كذا هذا ، والحديث محمول على الندب دون الوجوب ، فإن صلوا في السفينة بجماعة جازت صلاتهم ، ولو اقتدى به رجل في سفينة أخرى فإن كانت السفينتان مقرونتين - جاز لأنهما بالاقتران صارتا كشيء واحد ، ولو كانا في سفينة واحدة جاز كذا هذا ، وإن كانتا منفصلتين لم يجز لأن تخلل ما بينهما بمنزلة النهر وذلك يمنع صحة الاقتداء ، وإن كان الإمام في سفينة والمقتدون على الحد والسفينة واقفة فإن كان بينه وبينهم طريق أو مقدار نهر عظيم - لم يصح اقتداؤهم به لأن الطريق ومثل هذا النهر يمنعان صحة الاقتداء لما بينا في موضعه ، ومن وقف على سطح السفينة يقتدي بالإمام في السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الإمام ; لأن السفينة كالبيت ، واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الإمام ، ولا يخفى عليه حاله كذا ههنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث