الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب موقف الإمام قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام ; لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : { بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه } فإن وقف عن يساره رجع إلى يمينه ، فإن لم يحسن علمه الإمام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس .

فإن جاء آخر أحرم عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخر المأمومان ; لما روى جابر قال : { قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، وجاء جبار بن صخر حتى قام عن يسار [ ص: 184 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه } ولأنه قبل أن يحرم الثاني لم يتغير موقف الأول ولا يزول عن موضعه فإن حضر رجلان اصطفا خلفه لحديث جابر ، وإن حضر رجل وصبي اصطفا خلفه ; لما روى أنس قال : { قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين } وإن حضر رجال وصبيان يقدم الرجال لقوله صلى الله عليه وسلم { ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم } فإن كانت معهم امرأة وقفت خلفهم لحديث أنس .

وإن كان معهم خنثى وقف الخنثى خلف الرجال ، والمرأة خلف الخنثى ; لأنه يجوز أن يكون امرأة فلا يقف مع الرجال ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم .

وحديث جابر رواه مسلم وحديث أنس رواه البخاري ومسلم ، وحديث " { ليليني منكم أولو الأحلام والنهى } رواه مسلم من رواية عبد الله بن مسعود ، ومن رواية أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو وقوله صلى الله عليه وسلم " ليليني " ضبطناه في صحيح مسلم على وجهين : ( أحدهما ) : ليلني بعد اللام نون مخففة ليس بينهما ياء ( والثاني ) : ليليني بزيادة ياء مفتوحة وتشديد النون فهذان الوجهان : صحيحان ، ورووه في صحيح مسلم بهما وربما قرأه بعض الناس بإسكان الياء وتخفيف النون وهذا باطل من حيث الرواية فاسد من حيث العربية ( قوله ) صلى الله عليه وسلم " أولو الأحلام والنهى " معناه البالغون العقلاء الكاملون في الفضيلة ( قوله ) عن يساره بفتح الياء وكسرها ، والفتح أفصح عند الجمهور ، وعكسه ابن دريد .

والصبيان بكسر الصاد على المشهور وحكى ابن دريد كسرها وضمها ، والعجوز المذكور في حديث أنس هي أم سليم كذا جاء مبينا في صحيح البخاري وغيره ، واليتيم اسمه ضميرة بن سعد الحميري المدني وجبار بن صخر - بجيم مفتوحة ثم باء موحدة مشددة - وهو أبو عبد الله بن جبار بن صخر بن أمية الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - المدني شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بالمدينة سنة ثلاثين رضي الله عنه .

( أما أحكام الفصل ) ففيه مسائل ( إحداها ) : السنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام رجلا كان أو صبيا قال أصحابنا : ويستحب أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلا فإن خالف ووقف عن يساره أو خلفه استحب له أن يتحول [ ص: 185 ] إلى يمينه ويحترز عن أفعال تبطل الصلاة ، فإن لم يتحول استحب للإمام أن يحوله لحديث ابن عباس ، فإن استمر على اليسار أو خلفه كره وصحت صلاته عندنا بالاتفاق .

( الثانية ) إذا حضر إمام ومأمومان تقدم الإمام واصطفا خلفه سواء كانا رجلين أو صبيين أو رجلا وصبيا هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا عبد الله بن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود فإنهم قالوا : يكون الإمام والمأمومان كلهم صفا واحدا ثبت هذا عن ابن مسعود في صحيح مسلم .

دليلنا حديث جابر السابق قال أصحابنا : فإن حضر إمام ومأموم وأحرم عن يمينه ثم جاء آخر أحرم عن يساره ثم إن كان قدام الإمام سعة ، وليس وراء المأمومين سعة تقدم الإمام ، وإن كان وراءهما سعة وليست قدامه تأخرا ، وإن كان قدامه سعة ووراءهما سعة تقدم أو تأخرا ، وأيهما أفضل ؟ فيه وجهان : ( الصحيح ) الذي قطع به الشيخ أبو حامد والأكثرون تأخرهما ; لأن الإمام متبوع فلا ينتقل ( والثاني ) : تقدمه قال القفال والقاضي أبو الطيب : لأنه يبصر ما بين يديه ، ولأنه فعل شخص فهو أخف من شخصين ، هذا إذا جاء المأموم الثاني في القيام ، فإن جاء في التشهد والسجود فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا ، ولا خلاف أن التقدم والتأخر لا يكون إلا بعد إحرام المأموم الثاني كما ذكرنا وقد نبه عليه المصنف بقوله ، ثم يتقدم الإمام أو يتأخرا .

( فرع ) قال الشافعي - رحمه الله - في الأم : لو وقف المأموم عن يسار الإمام أو خلفه كرهت ذلك لهما ، ولا إعادة قال : ولو أم اثنين فوقفا عن يمينه أو يساره أو أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره أو أحدهما بجنبه والآخر خلفه ، أو أحدهما خلفه ، والآخر خلف الأول كرهت ذلك ولا إعادة ولا سجود سهو لحديث ابن عباس وأنس هذا نصه واتفق الأصحاب عليه .

( الثالثة ) : إذا حضر كثيرون من الرجال والصبيان يقدم الرجال ثم الصبيان ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وفيه وجه حكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وصاحبا المستظهري والبيان [ ص: 186 ] وغيرهم : أنه يستحب أن يقف بين كل رجلين صبي ليتعلموا منهم أفعال الصلاة ، والصحيح الأول لقوله صلى الله عليه وسلم { ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم } .

وأما تعلم الصلاة فيمكن وإن كانوا خلفهم ، وإن حضر رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء ; لما ذكره المصنف ، فإن حضر رجال وخنثى وامرأة وقف الخنثى خلف الرجال وحده ، والمرأة خلفه وحدها ، فإن كان معهم صبي دخل في صف الرجال ، وإن حضر إمام وصبي وامرأة وخنثى وقف الصبي عن يمينه والخنثى خلفهما والمرأة خلفه ( فرع ) هذا الذي ذكرناه كله في موقف الرجال غير العراة ، فإن كانوا عراة فقد سبق في باب ستر العورة أنه إن كانوا عميا أو في ظلمة صلوا جماعة ويقدم عليهم إمامهم ، وإن كانوا بصراء في ضوء فهل الأفضل أن يصلوا جماعة أو فرادى ؟ فيه خلاف ، فإن قلنا : جماعة وقف إمامهم وسطهم وسبق هناك أيضا أن النساء الخلص العاريات والكاسيات تقف إمامتهن وسطهن ، ولو صلى خنثى بنسوة تقدم عليهن ، قال أصحابنا : هذا كله مستحب ، ومخالفته مكروهة ، ولا تبطل الصلاة .

( فرع ) السنة عندنا أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام كما ذكرنا ، وبهذا قال العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن سعيد بن المسيب أنه يقف عن يساره ، وعن النخعي أنه يقف وراءه إلى أن يريد الإمام أن يركع ، فإن لم يجئ مأموم آخر تقدم فوقف عن يمينه ، وهذان المذهبان فاسدان ودليل الجمهور حديث ابن عباس وحديث جابر وغيرهما .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث