الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) - التحريمة وهي تكبيرة الافتتاح وإنها شرط صحة الشروع في الصلاة عند عامة العلماء .

وقال ابن علية وأبو بكر الأصم : أنها ليست بشرط ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية من غير تكبير ، فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار حتى أنكر افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدم .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ، ويستقبل القبلة ، ويقول : الله أكبر } ، نفى قبول الصلاة بدون التكبير ، فدل على كونه شرطا ، لكن إنما يؤخذ هذا الشرط على القادر عن العاجز ، فلذلك جازت صلاة الأخرس ; ولأن الأفعال أكثر من الأذكار فالقادر على الأفعال يكون قادرا على الأكثر ، وللأكثر حكم الكل ، فكأنه قدر على الأذكار تقديرا ، ثم لا بد من بيان صفة الذكر الذي يصير به شارعا في الصلاة

وقد اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومحمد : يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله - تعالى - يراد به تعظيمه لا غير ، مثل أن يقول : الله أكبر ، الله الأكبر ، الله الكبير ، الله أجل ، الله أعظم ، أو يقول : الحمد لله أو سبحان الله أو لا إله إلا الله ، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول : الرحمن أعظم ، الرحيم أجل ، سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن ، وهو قول إبراهيم النخعي .

وقال أبو يوسف : لا يصير شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير ، وهي ثلاثة : الله أكبر ، الله الأكبر ، الله الكبير .

إلا إذا كان لا يحسن التكبير ، أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير .

وقال الشافعي : لا يصير شارعا إلا بلفظين : الله أكبر ، الله الأكبر وقال مالك : لا يصير شارعا إلا بلفظ واحد ، وهو الله أكبر ، واحتج بما روينا من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ، ويستقبل القبلة ، ويقول : الله أكبر } ، نفى القبول بدون هذه اللفظة فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل ، إذ التعليل للتعدية لا لإبطال حكم النص كما في الأذان ، ولهذا لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة وبهذا يحتج الشافعي إلا أنه يقول : في الأكبر أتى بالمشروع وزيادة شيء ، فلم تكن الزيادة مانعة ، كما إذا قال : الله أكبر كبيرا ، فأما العدول عما ورد الشرع به فغير جائز وأبو يوسف يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : وتحريمها التكبير ، والتكبير حاصل بهذه الألفاظ الثلاثة ، فإن أكبر هو الكبير ، قال الله تعالى : { وهو أهون عليه } أي هين عليه عند بعضهم ، إذ ليس شيء أهون على الله من شيء ، بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد ، والتكبير مشتق من الكبرياء ، والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم ، يقال : هذا أكبر القوم أي أعظمهم منزلة وأشرفهم قدرا ، ويقال : هو أكبر من فلان أي أقدم منه فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه لانعدام المساواة في المعنى ، إلا أنا حكمنا بالجواز إذا لم يحسن ، أو لا يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة وأبو حنيفة ومحمد احتجا بقوله تعالى : { وذكر اسم ربه فصلى } ، والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة لأنه عقب الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل ، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح ، فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد ، وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص ، وأن الحديث معلول به لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولا به من حيث اشتراط مطلق الذكر ، ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلا لمخالفته الكتاب ، فإذا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل ، على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم ، قال تعالى : { وكبره تكبيرا } ، أي عظمه تعظيما .

وقال تعالى : { فلما رأينه أكبرنه } ، أي عظمنه ، وقال تعالى : { وربك فكبر } أي فعظم ، فكان الحديث واردا بالتعظيم ، وبأي اسم ذكر فقد عظم الله - تعالى - ، وكذا من سبح الله - تعالى - فقد عظمه ونزهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدث ، فصار واصفا له بالعظمة والقدم ، وكذا إذا هلل ; لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما ، وإنما لم يقم السجود على الخد مقام السجود على الجبهة للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد ، بخلاف الأذان ; لأن المقصود منه هو الإعلام ، وأنه لا يحصل إلا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما بين الناس ، حتى لو حصل الإعلام بغير هذه [ ص: 131 ] الألفاظ يجوز ، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ، وكذا روى أبو يوسف في الأمالي ، والحاكم في المنتقى ، والدليل على أن قوله : الله أكبر ، أو الرحمن أكبر سواء قوله تعالى : { أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء } ، ولهذا يجوز الذبح باسم الرحمن ، أو باسم الرحيم ، فكذا هذا ، والذي يحقق مذهبهما ما روي عن عبد الرحمن السلمي أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله ، ولنا بهم أسوة هذا إذا ذكر الاسم والصفة ، فأما إذا ذكر الاسم لا غير بأن قال : " الله " لا يصير شارعا عند محمد ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصير شارعا ، وكذا روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة لمحمد أن النص ورد بالاسم والصفة فلا يجوز الاكتفاء بمجرد الاسم ولأبي حنيفة أن النص معلول بمعنى التعظيم ، وأنه يحصل بالاسم المجرد ، والدليل عليه أنه يصير شارعا بقوله : " لا إله إلا الله " ، والشروع إنما يحصل بقوله : " الله " لا بالنفي ، ولو قال : " اللهم اغفر لي " لا يصير شارعا بالإجماع ; لأنه لم يخلص تعظيما لله - تعالى - بل هو للمسألة والدعاء دون خالص الثناء والتعظيم .

ولو قال : " اللهم " اختلف المشايخ فيه لاختلاف أهل اللغة في معناه ، قال بعضهم : يصير شارعا ; لأن الميم في قوله اللهم بدل عن النداء ، كأنه قال : " يا الله " .

وقال بعضهم : لا يصير شارعا ; لأن الميم في قوله : " اللهم " بمعنى السؤال ، معناه اللهم آمنا بخير ، أي أردنا به فيكون دعاء لا ثناء خالصا كقوله : اللهم اغفر لي ولو افتتح الصلاة بالفارسية بأن قال : خداي بزر كنر أو خداي بزرك - يصير شارعا عند أبي حنيفة ، وعندهما لا يصير شارعا إلا إذا كان لا يحسن العربية .

ولو ذبح وسمى بالفارسية يجوز بالإجماع ، فأبو يوسف مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه ، والمنصوص عليه لفظة التكبير بقوله صلى الله عليه وسلم : { وتحريمها التكبير } ، وهي لا تحصل بالفارسية ، وفي باب الذبح المنصوص عليه هو مطلق الذكر بقوله : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } وذا يحصل بالفارسية ، ومحمد فرق فجوز النقل إلى لفظ آخر من العربية ، ولم يجوز النقل إلى الفارسية فقال : العربية لبلاغتها ووجازتها تدل على معان لا تدل عليها الفارسية ، فتحتمل الخلل في المعنى عند النقل منها إلى الفارسية ، وكذا للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الألسنة ، ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى الإجابة ، ولذلك خص الله - تعالى - أهل كرامته في الجنة بالتكلم بهذه اللغة ; فلا يقع غيرها من الألسنة موقع كلام العرب ، إلا أنه إذا لم يحسن جاز لمكان العذر وأبو حنيفة اعتمد كتاب الله - تعالى - في اعتبار مطلق الذكر ، واعتبر معنى التعظيم ، وكل ذلك حاصل بالفارسية ثم شرط صحة التكبير أن يوجد في حالة القيام في حق القادر على القيام ، سواء كان إماما أو منفردا أو مقتديا ، حتى لو كبر قاعدا ثم قام لا يصير شارعا ، ولو وجد الإمام في الركوع أو السجود أو القعود ينبغي أن يكبر قائما ثم يتبعه في الركن الذي هو فيه ، ولو كبر للافتتاح في الركن الذي هو فيه لا يصير شارعا لعدم التكبير قائما مع القدرة عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث