الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر قتل حسن بن الحافظ

قد ذكرنا سنة ست وعشرين وخمسمائة أن الحافظ لدين الله صاحب مصر استوزر ابنه حسنا ، وخطب له بولاية العهد ، فبقي إلى هذه السنة ، ومات مسموما ، وسبب ذلك أن أباه الحافظ - وكان جريئا على سفك الدماء - وكان في نفس الحافظ على الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل حقد ، ويريد الانتقام منهم من غير أن يباشر ذلك بنفسه ، فأمر ابنه حسنا بذلك ، فتغلب على الأمر جميعه واستبد به ، ولم يبق لأبيه معه حكم ، وقتل من الأمراء المصريين ومن أعيان البلاد أيضا ، حتى إنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميرا .

فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادما من خدم القصر الأكابر ، فجمع الجموع ، وحشد من الرجالة خلقا كثيرا ، وتقدم إلى البلد ، فأخرج إليهم حسن جماعة من خواصه وأصحابه ، فقاتلوهم فانهزم الخادم ، وقتل من الرجالة الذين معه خلق كثير .

وعبر الباقون إلى بر الجزيرة ، فاستكان الحافظ ، فصبر تحت الحجر .

ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا ، واتفقوا على قتل حسن ، وأرسلوا إلى أبيه الحافظ ، وقالوا له :

إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا ، فاستدعى ولده إليه واحتاط عليه ، وأرسل إلى الأمراء بذلك ، فقالوا : لا نرضى إلا بقتله .

فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه ، وليس إلى إبقائه سبيل ، فأحضر طبيبين كانا له ، أحدهما مسلم والآخر يهودي ، فقال لليهودي :

نريد سما نسقيه لهذا الولد ليموت ونخلص من هذه الحادثة . فقال :

أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأودية . فقال :

أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة . فقال له :

لا أعرف شيئا ، فأحضر الطبيب المسلم وسأله عن ذلك ، فصنع له شيئا ، فسقاه الولد فمات لوقته ، فأرسل [ ص: 61 ] الحافظ إلى الجند يقول لهم :

إنه قد مات . فقالوا :

نريد [ أن ] ننظر إليه ، فأحضر بعضهم عنده فرأوه ، وظنوه قد عمل حيلة ، فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم ، فعلموا موته ، وخرجوا .

ودفن حسن ، وأحضر الحافظ الطبيب المسلم ، وقال له :

ينبغي أن تخرج من عندنا من القصر ، وجميع ما لك من الإنعام والجامكية باق عليك ، وأحضر اليهودي وزاده وقال له : أعلم أنك تعرف ما طلبته منك ، ولكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا .

وكان حسن سيئ السيرة ظالما ، جريئا على سفك الدماء وأخذ الأموال ، فهجاه الشعراء ، فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور :


لم تأت يا حسن بين الورى حسنا ولم تر الحق في دنيا ولا دين     قتل النفوس بلا جرم ولا سبب
والجور في أخذ أموال المساكين     لقد جمعت بلا علم ولا أدب
تيه الملوك وأخلاق المجانين

وقيل : إن الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم فمات ، والله أعلم .

ولما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام ، وكان نصرانيا فتحكم ، واستعمل الأرمن على الناس ، فاستذلوا المسلمين ، وسيأتي ذكر ذلك سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث