الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اليمين في لبس الثياب والحلي وغير ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 189 ] باب اليمين في لبس الثياب والحلي وغير ذلك ( ومن قال لامرأته : إن لبست من غزلك فهو هدي فاشترى قطنا فغزلته ونسجته فلبسه فهو هدي عند أبي حنيفة وقالا : ليس عليه أن يهدي حتى تغزل من قطن ملكه يوم حلف ) ومعنى الهدي التصدق به بمكة لأنه اسم لما يهدى إليها . لهما أن النذر إنما يصح في الملك أو مضافا إلى سبب الملك ولم يوجد لأن اللبس وغزل المرأة ليسا من أسباب ملكه . وله أن غزل المرأة عادة يكون من قطن الزوج والمعتاد هو المراد [ ص: 190 ] وذلك سبب لملكه ، ولهذا يحنث إذا غزلت من قطن مملوك له وقت النذر لأن القطن لم يصر مذكورا .

[ ص: 189 ]

التالي السابق


[ ص: 189 ] باب اليمين في لبس الثياب والحلي وغير ذلك ) قدمه على الضرب والقتل لأن اللبس أكثر وقوعا منه لا بقيد خصوص الملبوس ، أو لأن شرعيته أوسع من شرعية الضرب والقتل . والحلي بضم الحاء وتشديد الياء جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام كثدي وثدي ( قوله ومن قال لامرأته : إن لبست من غزلك ) أي ثوبا من غزلك أي مغزولك ( فهو هدي ) فغزلت من قطن مملوك له وقت الحلف فلبسه فهو هدي اتفاقا ، ولو لم يكن في ملكه قطن أو كان لكن لم تغزل منه بل غزلت من قطن اشتراه بعد الحلف فلبسه فهي مسألة الكتاب ، فعند أبي حنيفة هو هدي ( وقالا : ليس عليه أن يهديه حتى تغزله من قطن ملكه يوم حلف ) أي وقت الحلف ( ومعنى الهدي ) هنا ( ما يتصدق به بمكة لأنه اسم لما يهدى إليها ) فإن كان نذر هدي شاة أو بدنة فإنما يخرجه عن العهدة ذبحه في الحرم والتصدق به هناك فلا يجزيه إهداء قيمته . وقيل في إهداء قيمة الشاة روايتان : فلو سرق بعد الذبح ليس عليه غيره ، وإن نذر ثوبا جاز التصدق في مكة بعينه أو بقيمته ، ولو نذر إهداء ما لا ينقل كإهداء دار ونحوها فهو نذر بقيمتها ( وجه قولهما أن النذر إنما ينعقد ) فيما هو ( في الملك ) { قال النبي : صلى الله عليه وسلم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم } . ( أو مضافا إلى سبب الملك ) مثل إن اشتريت كذا فهو هدي أو فعلي أن أتصدق به ولم يوجد ذلك فإن اللبس المجعول شرطا ليس سببا لملك الملبوس ولا متعلقه الذي هو غزل المرأة سببا لملكه إياه لأنه يملك القطن ، وليس الغزل سببا لملك القطن لأن غزلها يكون من قطنها ويكون من قطنه ، فلا يصح النذر في المشترى من القطن إذا غزل .

( وله أن غزل المرأة عادة يكون من قطن الزوج ) لأن العادة أن يشتري القطن ويجعله في البيت وهي تغزله فيكون المغزول مملوكا له ( والمعتاد هو المراد ) بالألفاظ ، فالتعليق بغزلها تعليق بسبب ملكه للثوب كأنه قال : إن لبست ثوبا أملكه بسبب غزلك قطنه فهو هدي ولا حاجة إلى تقدير ملك القطن ولا إلى الالتفات إليه وإن كان في الواقع لا يملك المغزول بالغزل إلا إذا كان القطن مملوكا له ، وحينئذ لا فرق بين أن يملك القطن بعد ذلك أو في حال الحلف ، ثم استوضح على أن غزلها [ ص: 190 ] سبب عادي لملكه المغزول بقوله ( ولهذا يحنث إذا غزلت من قطن مملوك له وقت النذر ) بالاتفاق ( مع أن القطن غير مذكور ) وما ذاك إلا لكون ذكر الغزل ذكر سبب الملك في المغزول ; لأن معنى كونه سببا كونه كلما وقع ثبت الحكم عنه ، وكون الغزل في العادة يكون من قطن مملوك له يستلزم كونه كلما وقع ثبت عنده ملك الزوج في المغزول ، وبهذا فارق مسألة التسري حيث لا يحنث فيها بالشراء بعد الحلف لأن الإضافة إلى التسري ليست إضافة إلى سبب الملك لأن الملك لا يثبت عند التسري أثرا له بل هو متقدم عليه ، وبهذا بطل قول من رجح قول زفر في مسألة التسري هذا ، والواجب في ديارنا أن يفتى بقولهما لأن المرأة لا تغزل إلا من كتان نفسها أو قطنها فليس الغزل سببا لملكه للمغزول عادة فلا يستقيم جواب أبي حنيفة رحمه الله فيه .

[ وهذه فروع تتعلق باللبس ] حلف لا يلبس من غزلها فلبس فلما بلغ الذيل السرة تذكر فلم يدخل يديه في الكمين ورجلاه بعد في اللحاف حنث . حلف لا يلبس ثوبا لا يحنث بلبس القلنسوة والعمامة ، ولو حلف لا يلبس ولم يقل ثوبا حنث والسراويل ثوب يحنث به ، ولو قال : هذا الثوب فاتخذ منه قلنسوة حنث .

ولو ائتزر أو ارتدى حنث سواء القميص وغيره ، بخلاف لا ألبس قميصا لا يحنث إذا ائتزر به أو ارتدى فينعقد على اللبس المعتاد ، وكذا إذا حلف لا يلبس سراويل فائتزر به أو تعمم لا يحنث ، ولو قال هذا السراويل فائتزر به أو تعمم حنث ، ولو وضعه على عاتقه يريد حمله لا يحنث . ولو حلف لا يلبس القباء أو قباء ولم يعين فوضعه على كتفه ولم يدخل يديه لا يحنث ، وفي " هذا القباء " يحنث لأن في المنكر يعتبر اللبس المعتاد ، وفي المعين الوصف لغو فلا يعتبر اللبس المعتاد بل مطلق اللبس . وقال الصدر الشهيد : واختار الإمام الوالد الحنث في المنكر أيضا لأنه يلبس أيضا كذلك . ولو وضع القباء على اللحاف ونام تحته قيل لا يحنث ، وقيل : بل يحنث ; لأنه لو جعل القباء فوق الدثار حالة النوم يحنث ، والمراد بالدثار ما يلبس فوق القميص وهو الشعار ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { الأنصار شعار والناس دثار } وفي ثوب فلان فوضع قباءه على كتفيه يحنث لا محالة لأنه لابس لكن لبس الرداء بخلاف ما إذا ذكر لفظ القباء ولو حلف لا يلبس هذا الثوب فألقي عليه وهو نائم المختار لا يحنث لأنه ملبس لا لابس ، فهو كما تقدم إذا حلف لا يدخل فحمل وأدخل ، فلو انتبه فألقاه كما انتبه لا يحنث ، وإن ترك يحنث علم أنه الثوب المحلوف عليه أو لا ، وكذا لو ألقي عليه وهو منتبه .

ولو حلف لا يلبس سراويل أو خفا فأدخل إحدى رجليه لا يحنث ولو حلف لا يلبس من غزل فلانة لا يحنث بالزيق والزر والعروة ، ولو لبس من غزلها وغزل غيرها حنث . أما لو قال : ثوبا من غزلها لا يحنث ، ولو كان فيه رقعة من غزل غيرها حنث ، وكذا إن كان فيه وصلة من كمه أو دخريصه أو علم من غزل غيرها ، ولو حلف لا يلبس من غزلها فلبس ما خيط منه أو ما فيه سلكة منه لا يحنث ، ولو لبس تكة من غزلها يحنث عند أبي يوسف ، وعندهما لا يحنث وعليه الفتوى . حلف لا يلبس ثوبا من نسج فلان فلبس ثوبا نسجه غلمانه وفلان هو المتقبل عليهم ، فإن كان يعمل بيده لا يحنث وإلا حنث . لا يلبس حريرا أو إبريسما [ ص: 191 ] لا يحنث إلا بثوب كله أو لحمته منه لا ما سداه أو علمه منه إلا أن ينويه . لا يلبس هذا القطن ولا نية له انصرف إلى الثوب المتخذ منه ، فلو حشا به ثوبا وهو المضرب لا يحنث

وكذا لا يلبس من غزل فلانة ولا نية له هو على الثوب ، وإن نوى عين الغزل لا يحنث بلبس الثوب لأنه يلبس الثوب لا الغزل ولا يلبس عين الغزل . لا يلبس من ثياب فلان وفلان يبيع الثياب فاشترى منه ولبس يحنث . لا يلبس كتانا فلبس ثوبا فيه كتان وغيره حنث . لا يكسو فلانا فكساه قلنسوة أو خفين أو جوربين أو أرسل إليه ثوبا فلبسه حنث إلا إن نوى كسوته بيده ، ولو أعطاه دراهم فاشترى بها ثوبا فلبسه لا يحنث

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث