الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الدليل على جواز الضمان وصحته الكتاب والسنة

فصل : فإذا ثبت جواز الضمان بما ذكرناه ، فالضمان يتم بأربعة أشياء : بضامن ومضمون له ومضمون عنه ومضمون فيه .

والمغلب فيه الضامن لأن الضمان لازم من جهة الضامن دون المضمون عنه ، فلا بد أن يكون عارفا بالحق الذي ضمنه في جنسه وصفته وقدره .

واختلف أصحابنا هل يحتاج الضامن إلى معرفة المضمون له ، والمضمون عنه أم لا ؟ على ثلاثة مذاهب :

أحدها : أنه لا يحتاج إلى معرفتهما جميعا وهو قول أبي العباس بن سريج ؛ لأن عليا وأبا قتادة ضمنا عمن عرفاه ولمن لا يعرفاه مع قوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم [ يوسف : 72 ] ومن يجيء به غير معروف .

والمذهب الثاني : أنه لا يصح الضمان إلا بمعرفة المضمون له ، والمضمون عنه ، وهو : مذهب أبي إبراهيم المزني لأنه لما لزم معرفة الحق لزم معرفة من عليه وله ، ولأنه قد صار معاملا للمضمون له منفصلا عن المضمون عنه فاحتاج إلى معرفة المضمون له ليعرف حسن معاملته وإلى معرفة المضمون عنه ليعرف هل هو موضع لما يفعل به .

والمذهب الثالث : أنه يحتاج إلى معرفة المضمون له ولا يحتاج إلى معرفة المضمون عنه وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لأن المعاملة منقطعة بينه وبين المضمون عنه فلم يحتج إلى معرفته والمعاملة باقية بينه وبين المضمون له فاحتاج إلى معرفته ، ثم لا يخلو حال المضمون من أحد أمرين : إما أن يكون مضمون الأصل أو غير مضمون الأصل ، فإذا كان غير [ ص: 434 ] مضمون الأصل كالودائع والشرك والمضاربات فضمانه باطل لأن ضمان أصله غير لازم ، وإن كان مضمون الأصل لم يخل أن يكون حقا في الذمة أو عينا قائمة فإن كان حقا في الذمة صح ضمانه على ما سنشرحه في استقرار لزومه وإن كان عينا قائمة كالمغصوب ، والعواري ، فمذهب الشافعي أن ضمانها باطل إلا أن تتلف فيستقر غرمها في الذمة .

وقال أبو العباس بن سريج ضمان الأعيان جائز كضمان ما في الذمم ؛ لأن كلاهما حق قد لزم وحكاه قولا للشافعي وهذا غير صحيح لأن العين إذا كانت باقية فالواجب ردها ، وذلك مما قد يعجز عنه الضامن ، فإن تلفت لزم غرم قيمتها وذلك مما لم يضمنه الضامن مع ما فيها من الجهالة .

فعلى مذهب الشافعي يكون ضمان الأعيان باطلا ولا يلزم الضامن مطالبة بسببها ، وعلى مذهب ابن سريج الضمان لها لازم ويؤخذ الضامن بتسليم العين ما كانت باقية ، فإن تعذر عليه تسليمها صار كالمعسر بالحق يؤخر به إلى حين قدرته ، فإن تلفت العين فقد خرج أبو العباس في ذلك وجهين :

أحدهما : قد بطل كمن كفل بنفس فتلفت وبطلت الكفالة لفوات ما تعلق به الضمان .

والوجه الثاني : أن الضمان ينتقل إلى القيمة ؛ لأن القيمة تقوم مقام العين عند تلفها ولا تمنع جهالة قدرها من لزوم ضمانها لأنها تفرعت عن أصل معلوم ، وخالفت الكفالة لأن تلف النفس لا ينقلها إلى بدل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث