الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الدليل على جواز الضمان وصحته الكتاب والسنة

فصل : فإذا تقرر ما وصفنا فلا يصح الضمان إلا بلفظ مسموع يخاطب به الضامن أحد أربعة أنفس ، إما أن يخاطب به المضمون له فيقول قد ضمنت لك عن فلان ألف درهم أو يخاطب وكيل المضمون له أو يقر به عند الحاكم أو عند شاهد ، فإن خاطب به من سوى هؤلاء الأربعة لم يكن ذلك شيئا ، وإنما اختص بخطاب أحد هؤلاء الأربعة لأن المضمون له صاحب الوثيقة ومستحق المطالبة ، فكان عقد الضمان معه أو كسبه وأما وكيل المضمون له فلأنه يقوم مقامه ، وأما الحاكم فلأنه مستوفي الحقوق ، والنائب عن الغائب ، ولأن عليا وأبا قتادة رضي الله عنهما ضمنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاطباه فأمضاه ، وأما الشاهد فلأنه ممن يحفظ به الحقوق ، وإذا كان كذلك فإن خاطبه المضمون له فتمام الضمان موقوف على المضمون له ، وهل يكون مشروطا بقبوله أو رضاه ؟ على وجهين :

أحدهما وهو قول أبي العباس بن سريج أن تمام الضمان مشروط بقبول المضمون له في الحال لفظا ؛ لأن الضمان عقد وثيقة يفتقر إلى لفظ الضامن بالضمان ، فاقتضى أن يفتقر [ ص: 435 ] إلى قبول المرتهن ، فعلى هذا إن تراخى القبول لم يصح الضمان كما لا يصح بتراخي القبول في سائر العقود ، وقد صرح بهذا القول أبو علي الطبري في إفصاحه .

والوجه الثاني حكاه ابن أبي هريرة عن بعض شيوخه أن رضا المضمون له شرط في لزوم الضمان ، ولا يفتقر إلى القبول باللفظ ؛ لأن الضمان لو كان كسائر العقود في أنه مشروط بالقبول لكان مواجهة المضمون له شرطا في صحته ، فلما جاز أن يضمن له مع غيبته دل على أن لفظ القبول ليس بشرط ، وقد ضمن علي وأبو قتادة ( رضوان الله عليهما ) دين الميت مع غيبة صاحبه دل على أنه موقوف على الرضا دون القبول ، فعلى هذا إذا رضي المضمون له بالضمان بقول صريح أو ما يدل على الرضا في مجلس الضمان جاز ، وإن تراضيا عن مال الضمان فإن لم يوجد منه الرضا بالضمان حتى فارق المجلس فلا ضمان ، وللضامن أن يرجع في ضمانه فلا رجوع للضامن فيه : لأنه قد تم ولزم .

فهذا حكم الضمان إذا خوطب به المضمون له فأما إذا خوطب به وكيل المضمون له ، وهو أن يقول الضامن للوكيل قد ضمنت لموكلك فلان بن فلان ألف درهم عن فلان ، فينظر في الوكيل ، فإن كان مأذونا له في أخذ الضمان تم الضمان بقبول الوكيل على أحد الوجهين وبرضاه على الوجه الثاني ، ولا يكون تمامه موقوفا على المضمون له ، وكذلك في حق المولى عليه بصغر ، أو جنون ، أو سفه ، وإن كان الوكيل غير مأذون له في أخذ الضمان كان تمام الضمان موقوفا على علم الموكل ، ثم على ما يكون من قبوله في أحد الوجهين أو رضاه في الوجه الثاني .

فهذا حكم الضمان إذا خوطب به وكيل المضمون له ، فأما إذا خوطب به الحاكم ، وهو أن يقول الضامن للحاكم قد ضمنت لفلان بن فلان عن فلان بن فلان ألف درهم ليرجع عليه .

فإن كان المضمون له مولى عليه لصغر ، أو سفه ، أو جنون ، أجاز الحاكم ضمانه فإذا أجاز صار تاما به ، وإن كان المضمون رشيدا لا يولى عليه كان تمامه موقوفا على علمه ، ثم على ما يكون من قبوله أو برضائه ، وليس للحاكم أن يجيز الضمان عليه .

وإن كان الضمان وثيقة له : لأنه عقد فلا يصح من غيره مع سلامة حاله ، فهذا حكم الضمان إذا خوطب به الحاكم ، فأما إذا خوطب به شاهد أشهده بالضامن على نفسه بالضمان ، فقال : قد ضمت لفلان عن فلان ألف فاشهد علي أو لم يقل فاشهد علي فتمام هذا الضمان موقوف على الموقوف له إن كان غير مولى عليه ، أو على وليه إن كان مولى عليه ، وليس للشاهد أن يجيز الضمان على المولى عليه بخلاف الحاكم ؛ لأن الشاهد لا ولاية له والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث