الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إن ضمن بأمره وغرم رجع بذلك عليه وإن تطوع بالضمان لم يرجع

فصل : فأما إذا قبض رجل ألف درهم من دين له على رجل ، فضمن ضامن نقصها في الوزن أو في الصفة صح وجرى هذا مجرى ضمان الدرك ، وخرج من باب ضمان المجهول وما لم يجب .

وإذا صح أن ضمان ذلك جائز فلا يخلو حال الضمان من أربعة أحوال :

أحدها : أن يضمن له نقص الوزن فعليه ضمانه ، فلو ادعى القابض أنها نقصت عليه مائة درهم ، فإن صدقه الدافع والضامن كان بالخيار في الرجوع على من شاء من الدافع أو الضامن ، وإن كذباه جميعا كان قوله مقبولا على الدافع مع يمينه ؛ لأن الأصل بقاء دينه ما لم يقر بقبضه ، فإذا حلف استحق الرجوع عليه بالنقص ، وهل يقبل قوله على الضامن حتى [ ص: 453 ] يستحق الرجوع عليه بالنقص أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يقبل عليه مع يمينه كما قبل قوله على الدافع ، ويكون بالخيار في الرجوع بالنقص على أيهما شاء .

والوجه الثاني وهو أصح : أن قوله على الضامن غير مقبول ، وليس له أن يرجع عليه بالنقص إلا أن يصدقه ، والفرق بينه وبين الدافع هو أن الدين كان ثابتا في ذمة الدافع ولم يكن ثابتا في ذمة الضامن فلذلك قبل قوله على الدافع ، ولم يقبل قوله على الضامن .

فعلى الوجه الأول إذا رجع القابض على الضامن بالنقص فليس للضامن أن يرجع على الدافع ، وإن كان ضمانه بأمره لأنه بإكذاب القابض مقرا بأنه مظلوم بها ، فلم يكن له أن يرجع بها على غير من ظلمه .

ولكن إن أكذبه الدافع وصدقه الضامن كان له أن يرجع على كل واحد منهما ؛ لأن قوله على الدافع مقبول والضامن قد صدقه ، فإن رجع على الضامن لم يكن للضامن أن يرجع على الدافع أيضا ، لإنكار الدافع ، والفرق بين أن يقبل قول القابض على الدافع ولا يقبل عليه قول الضامن أنه بريء الذمة في حق الضامن فلم يقبل قوله عليه ، ومرتهن الذمة بحق القابض فقبل قوله عليه ، فهذا إذا ضمن له نقص الوزن .

والحال الثانية : أن يضمن له نقص الصفة وهو أن يبدل له منها ما كان رديئا فيها فإذا رد منها شيئا ذكر أنه كان فيها ، فإن صدقه الدافع والضامن كان بالخيار في أن يبدلها ممن شاء من الدافع والضامن فإن أراد أن يأخذ بدلها من الدافع كان للدافع أن يمتنع من دفع البدل إلا بعد استرجاع الرد المبدل ، وإن أراد أخذ بدلها من الضامن لم يكن للضامن أن يمتنع من دفع البدل ليسترجع الرد المبدل لأنه لا يملكه والدافع يملكه ، وقيل للضامن لك أن تفسخ القضاء في القدر المردود وتدفع إليه بوزنه جيدا ، ويكون الرد مع القابض ليتولى رده على الدافع .

فإن قبض الضامن الرديء كان مضمونا عليه لأنه قبض مال غيره من غير إذن ، وصار بقبضه متعديا إلا أن يأذن له الدافع في استرجاعه إذنا صريحا ، فلا يضمن .

فلو أحضر القابض رديئا زعم أنها كانت في الدراهم فكذبه الدافع والضامن معا فإن كان ردها عيبا لا يخرجها من جنس الدراهم كالعتق والصفة الجنسية لم يقبل قول القابض على واحد منهما ، وإن كان ردها يخرجها من جنس الدراهم كالزائفة والصفر المطلي فقول القابض مقبول على الدافع كما لو ادعى نقص الوزن ، وهل يقبل على الضامن أم لا ؟ على ما [ ص: 454 ] ذكرنا من الوجهين ، والفرق بينهما أن المعيب إذا كان من جنس الفضة جاز أن يكون قبضا من الفضة فصار بقبضه مستوفيا فلم يقبل قوله في ادعاء الرد : لأنه يصير مبتدئا لإثبات حق وليس كذلك إذا كان المعيب من غير جنس الفضة لأنه يجوز أن يكون قبضا من الفضة فكان حقه ثابتا لا يسقط بقبضه فلم يصر بادعاء الرد مبتدئا بإثبات حق ، فهذا فرق بينهما .

ولو صدقه الضامن وكذبه الدافع كان له أن يرجع ببدلها على الضامن ، وللضامن هاهنا أن يمتنع من دفع المبدل إلا باسترجاع الرد بخلاف ما ذكرنا إذا صدقه ؛ لأن الضامن مع تكذيب الدافع لا يقدر أن يرجع عليه بالبدل ، فكان له استرجاع الرد ليتوصل بها إلى بعض حقه فهذا الحكم فيه إذا ضمن نقص الصفة .

والحالة الثالثة : أن يضمن له نقص الوزن ونقص الصفة ، فيصير ضامنا لهما ويكون الحكم فيه كما لو ضمن كل واحد منهما على انفراده ، فيجتمع الحكمان على ما ذكرناه .

والحالة الرابعة : أن يضمن له نقص الدراهم من غير أن يذكر نقص الوزن أو نقص الصفة ، فيكون ضامنا لنقص الوزن ، لا يختلف ، وهل يضمن نقص الصفة ؟ على وجهين حكاهما ابن سريج .

أحدهما : يضمن لإطلاق النقص على الأمرين .

والوجه الثاني : لا يضمن لأن عرف الناس في مثله خارج عن نقص الوزن دون الصفة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث