الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وإذا كان كذلك فالإقرار لا يصح إلا بشروط أربعة : بمقر ، ومقر له ، ومقر به ، ومقر عنده .

فأما الشرط الأول : وهو المقر : فهو المخبر بالحق عليه ، والمقرون ضربان : مكلف ، وغير مكلف . فأما غير المكلف ، وهو الصبي ، والمجنون فإقرارهما باطل سواء كان بمال ، أو بدن ولا يتعلق به حكم في الحال ولا بعد البلوغ ، والإفاقة .

وجوز أبو حنيفة إقرار المراهق إذا كان بإذن أهله ، أو كان مأذونا له في عقد فأقر بدين صح بناء على صحة إسلامه وجواز عقده بإذن وليه ، واستدلالا بأن من صحت وصيته صح إقراره كالبالغ . وهذا خطأ لأن عدم التكليف يمنع من صحة الإقرار كالجنون ، ولأن كل إقرار منع منه الجنون منع منه الصغر كالإقرار بالبدن ، ولأن الأصل الذي بني عليه جواز إقراره أن [ ص: 5 ] ممن يصح إسلامه ويجوز عقده ، لا نسلمه بل لا يصح إسلامه ولا يجوز عقده وسيأتي الكلام فيه مستوفيا في موضعه إن شاء الله تعالى .

وأما قياسه على الوصية ففي جواز وصيته قولان :

أحدهما : باطلة : فعلى هذا سقط السؤال .

والثاني : جائزة .

فعلى هذا الفرق بين إقراره ووصيته : أن في لزوم إقراره إضرارا به فسقط . وفي صحة وصيته رفقا به فأمضيت . وأما المكلف فضربان :

محجور عليه ، وغير محجور عليه . أما غير المحجور عليه :

فهو البالغ الرشيد العاقل فإقراره صحيح إذا أقر مختارا وباطل إن أقر مكرها ، وسواء كان المقر رجلا ، أو امرأة مسلما ، أو كافرا ، عدلا ، أو فاسقا وإقرار جميعهم لازم .

وأما المحجور عليه فضربان :

أحدهما : من حجر عليه لأجل نفسه .

والثاني : من حجر عليه لأجل غيره .

فأما المحجور عليه لأجل نفسه فهو السفيه ، وإن أقر ببدن من قصاص ، أو حد نفذ إقراره فيه ؛ لأنه لا حجر عليه في بدنه ، وإن أقر بمال لم يلزم إقراره فيه ما كان الحجر عليه باقيا ، فإن فك حجره لم يلزم ذلك حكما لبطلان الإقرار ، ولزمه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان على يقين من لزومه وسواء كان ما أقر به حقا لله تعالى ، أو حقا لآدمي . فلو كان حين أقر سفيها لكن لم يحجر عليه الحاكم فإقراره لازم في المال ، والبدن جميعا ، وهو في الإقرار كالرشيد .

وأما المحجور عليه لأجل غيره فأربعة :

أحدهم : العبد المحجور عليه لأجل سيده .

والثاني : المفلس محجور عليه لأجل غرمائه .

والثالث : المريض محجور عليه لأجل ورثته .

والرابع : المرتد محجور عليه في حق بيت المال .

ومعنى الحجر في كل واحد منهم مختلف وسنفرد الحكم في إقرار كل واحد منهم .

أما العبد فإقراره على ضربين : [ ص: 6 ] أحدهما : في بدن كحد ، أو قصاص فإقراره به لازم واستيفاؤه في الحال واجب صدق السيد ، أو كذب .

والضرب الثاني : في مال ، فعلى ضربين :

أحدهما : عن جناية فإقراره به غير لازم في الحال إلا أن يصدق السيد فيتعلق الإقرار برقبته وتباع فيما أقر به من جنايته . وإن كان السيد مكذبا تعلق بذمته ويؤخذ به بعد عتقه ويساره .

والضرب الثاني : أن يكون عن معاملة فإن كان مأذونا له في التجارة كان إقراره لازما فيما بيده صدق السيد أم كذب ؛ لأنه مسلط عليه بالإذن . وإن كان غير مأذون له في التجارة كان إقراره متعلقا بذمته يؤخذ به بعد عتقه ، ويساره سواء صدق السيد أم كذب .

ونحن نستوفي شرح ذلك ، وما يتعلق بالخلاف فيه من بعد . وأما المفلس فإقراره لازم في حالة حجره لكن إن صدقه الغرماء كان المقر له شريكا له في ماله يخاصمهم بقدر ما أقر به ، وإن كذبه الغرماء ، فعلى قولين مبنيين على اختلاف قوليه في حجره هل يجري مجرى حجر السفه ، أو يجري مجرى حجر المرض .

أحدهما : أنه يجري مجرى حجر السفه ، فعلى هذا لا يشارك الغرماء به ويؤخذ به بعد فك حجره .

والثاني : أنه يجري مجرى حجر المرض ، فعلى هذا يشاركهم في ماله بالقدر الذي أقر . وأما المريض فإقراره لازم في المال ، والبدن وفيه مسائل تأتي مسطورة .

وأما المرتد فإقراره في بدنه لازم قبل الحجر وبعده ، وأما إقراره في ماله فإن كان بعد حجر الحاكم عليه فقد اختلف أصحابنا في حجره على وجهين :

أحدهما : أنه يجري مجرى حجر المرض ، فعلى هذا عقوده لازمة وإقراره نافذ .

والثاني ؛ أنه يجري مجرى حجر السفه ، فعلى هذا عقوده باطلة وفي إقراره وجهان .

وإن كان إقراره قبل حجر الحاكم عليه فقد اختلف أصحابنا : هل يصير محجورا عليه بنفس الردة أم لا ؛ على وجهين :

أحدهما : قد صار محجورا عليه ، فعلى هذا يكون إقراره على ما مضى .

والثاني : أنه لا يصير محجورا عليه إلا بحكم حاكم ، فعلى هذا يكون إقراره لازما نافذا .

[ ص: 7 ] فأما السكران فلا يخلو حال سكره من أحد أمرين :

إما أن يكون من معصية . أو من غير معصية .

فإن كان من غير معصية فإقراره باطل لا يلزم في مال ، ولا بدن كالمجنون ، والمغمى عليه ، ولا يؤخذ بشيء منه بعد إفاقته .

وإن كان سكره معصية فالمذهب لزوم إقراره في المال ، والبدن كما يقع طلاقه . وقد خرج المزني قولا في القديم أن طلاقه لا يقع ، فعلى هذا إقراره لا يلزم في مال ، ولا بدن .

فأما الذي يجن في زمان ويفيق في زمان ، فإن أقر في زمان جنونه بطل إقراره ، وإن أقر في حال إفاقته لزم إقراره .

فلو اختلفا بعد إفاقته هل كان الإقرار في حال الجنون أم الإفاقة ؟ فقال المقر : كنت عند الإقرار مجنونا ، وقال الآخر : بل كنت مفيقا ، فعلى وجهين ، فهذا حكم المقر .

قال الشافعي : ومن لم يجز بيعه لم يجز إقراره . وفيه لأصحابنا تأويلان :

أحدهما : من لم يجز بيعه بحال كالصبي ، والمجنون لم يجز إقراره في حال من الأحوال . وهذا قول ابن أبي هريرة .

والثاني : أن من لم يجز بيعه في شيء لم يجز إقراره في ذلك الشيء فهذا الكلام في الشرط الأول وهو مسألة الكتاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث