الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الرابع : في الواجب ، والبحث عن جنسه ، وقدره ، وصفته ، ومصرفه ، فهذه أربعة أبحاث : البحث الأول : في جنسه ، وهو المقتات ، وفي ( الكتاب ) : هو القمح ، والشعير ، والسلت ، والذرة ، والدخن ، والأرز ، والتمر ، والزبيب ، والأقط ، قال سند في ( المختصر ) : يؤديها من كل ما تجب فيه الزكاة إن كان قوته ، فعلى هذا يؤديها من القطنية ، وزاد ابن حبيب على ما في ( المدونة ) : العلس ، فجعلها عشرة ، وقال أشهب : لا يجزئ إلا الأربعة التي في الحديث : القمح ، والشعير ، والتمر ، [ ص: 168 ] والأقط ، وقال ابن حنبل : بالخمسة التي في رواية أبي سعيد ، وهو ما رواه مالك عنه . كما يخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من زبيب ، وهو قول أشهب ; لأن القمح عنده من جنس الشعير . لنا : أن تعديد هذه الأمور لا يمنع من قياس غيرها عليها ، إما لأن هذا من مفهوم اللقب الذي هو أضعف المفهومات العشرة ، فيقدم القياس عليه ، أو القياس على باب الربا ، ويؤكد القياس قوله عليه السلام : ( أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ) فأشار إلى أن المقصود إنما هو غناهم عن الطلب ، وهم إنما يطلبون القوت ، فوجب أن يكون هو المعتبر ، ومنع ( ح ) إخراج الأقط إلا بالقيمة ، وأن يكون أصلا قياسا على القث الذي هو حب الغاسول ، وجوابه : أنه وارد في النص فيكون القياس قبالة النص فاسدا ، سلمنا صحته ، لكن الفرق : أن الأقط يقتات مع الادخار كالتمر بخلاف القث .

فرع : قال : فإن لم يعمل الأقط وكان القوت اللبن : فظاهر المذهب المنع من إخراج اللبن ، وينظر إلى قوت أقرب المواضع إليهم ، وجوزه الشافعية مع وجود الأقط ، والفرق لنا : الادخار .

( فائدة ) في ( التنبيهات ) : الأقط بفتح الهمزة وكسر القاف ، جبن اللبن المخرج زبده ، ويقال أيضا : بكسرها وسكون القاف .

وفي ( الكتاب ) : لا يجزئ في شيء من القطاني وإن أخرجت عن غيرها بالقيمة ، ولا يجزئ دقيق ولا سويق ، وكره التين ، ومنعه الحنفي ، قال ابن القاسم : وأرى أن يجزئه خلافا لـ ( ش ) ، وابن حنبل ، قال ابن القاسم : وما لا [ ص: 169 ] يجزئ كالقطنية ونحوها إذا كان قوت قوم أجزأهم ، وفي ( الجواهر ) : قال ابن حبيب : إذا أخرج الدقيق ومعه ريعه أجزأه ورأى القاضي أبو بكر : أن يخرج من عيش كل أمة : لبنا أو لحما أو غيرها ; لأن الأصل تسوية الفقراء والأغنياء فيما في أيدي الأغنياء ، وقال ( ح ) وابن حنبل : يخرج الدقيق والسويق وهما أصلان ; لأنه قد روي في بعض الطرق : الدقيق ، وقياسا عن الحب ، جوابهما : أن الرواية غير ثابتة ، وأن منافع الحب الصلق والبذر وغيرها ، بخلاف الدقيق ، وقد سلمنا أن الخبر لا يجزئ ، قال سند : وإذا أجزنا الدقيق فأجاز ابن حبيب الخبز ، وفيه نظر ، ويتخرج الخلاف فيه على الخلاف في عد الدقيق والخبز جنسين أو جنسا في البيع ، والمستحب غربلة الحب ، ولا يجب إلا أن يكون غلة ، قاله مالك ، ولا يجزي المسوس الفارغ بخلاف القديم المتغير الطعم عندنا وعند الشافعية .

البحث الثاني : في صفته ، وفي ( الكتاب ) : يخرج أهل كل بلد من غالب عيشهم ذلك الوقت ، وفي ( الجواهر ) : قال أشهب : من عيشه هو وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم ، لنا : قوله عليه السلام : ( أغنوهم عن سؤال هذا اليوم ) والمطلوب لهم غالب عيش البلد ، وقياسا على الغنم المأخوذ في الإبل ، قال سند : إن عدل عن غالب عيش البلد أو عيشه إلى ما هو أعلى أجزأ ، وإلى الأدنى لا يجزئ عند مالك ، خلافا لـ ( ش ) و ( ح ) وقال ابن حبيب : إن كان يأكل من أفضل القمح والشعير والسلت فأخرج الأدنى أجزأ ، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يخرج التمر والشعير ويأكل البر ، واحتجوا بأن الخبر ورد بصيغة التخيير فيخير ، جوابهم : أن ( أو ) فيه ليست للتخيير ، بل للتنويع ، ومعناه : إن كان غالب العيش كذا فأخرجوه ، أو كذا فأخرجوه ، فهو تنويع للحال ، كما قال فيه : حرا أو عبدا ، ذكرا أو أنثى ، ويؤكد ذلك قوله عليه السلام : ( أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ) .

[ ص: 170 ] البحث الثالث : في قدره ، وفي ( الجواهر ) : صاع ، وقاله ( ش ) وابن حنبل . وقيل : يجزئه نصف صاع من البر خاصة ، وقاله ( ح ) ، وقيل لمالك : يؤدي بالمد الأكبر ؟ قال : لا ، بل بمده عليه السلام ، فإن أراد خيرا فعلى حده ، سد الذريعة تغيير المقادير الشرعية ، لنا : ظاهر الحديث ، ونصف الصاع من البر مروي ولم يصح ، بل قال به معاوية وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وبتقدير الصحة فما ذكرناه أحوط .

وأما قدر الصاع ونسبته إلى رطل مصر : فقد تقدم في الكلام على الوسق .

البحث الرابع : في مصرفه وفي ( الكتاب ) : يصرفه كل قوم في أمكنتهم من حضر أو بدو ، ولا يدفع للإمام إلا أن يعدل فيها فلا ينبغي العدول بها عنه ، فإن كان موضعهم أغنياء نقلت إلى أقرب المواضع ، وتعطى زكوات لمسكين واحد ، ولا تعطى لذمي ولا عبد ، وروى مالك أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده بيوم أو ثلاث ; لأن الإمام أعرف بأهل الحاجة ; لأنهم يقصدونه ، قال سند : قال عبد الملك : إذا كان عدلا وجب دفعها إليه ، وليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها ، وقال ( ش ) : تفريق صاحبها أفضل ، ويقسم كل صاع على ثلاثة من كل صنف من الأصناف الثمانية المذكورة في الآية ، وروى مطرف عن مالك : استحباب إعطاء كل زكاة لكل مسكين ، تشبيها بالكفارات ، وقال ( ح ) : تعطى للذمي ، بخلاف الزكوات . قال مالك : ولا يعطى منها من يليها ولا من يحرسها ، قال : ويتخرج فيه خلاف على الخلاف في زكاة المال ، وفي ( الكتاب ) : إن أخرجها عند محلها فضاعت أو تبدلت : لم يضمن ، ولو أخرجها لعذر من أدائها وكان قد فرط فيها فضاعت بغير تفريط ضمنها ، والفرق : أنه إذا فرط انتقلت إلى الذمة ، وكل ما [ ص: 171 ] في الذمة من الحقوق لا تبرأ منه إلا بإيصاله لمستحقه ، وإذا لم يفرط كانت في المال وإفراده كالقسمة مع الشريك ، فيتعين نصيب الفقراء فلا يضمن ، ووافقنا ( ش ) ولم يضمنه ( ح ) مطلقا ، وحيث تعينت ثم ذهبت أو ذهب ماله أو لحقه دين ثم وجدها ، قال سند : قال ابن المواز : ينفذها ولا شيء عليه لأهل الدين ، كمن أعتق عبده ثم لحقه دين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث