الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : ولو غصبه حنطة فزرعها .

قال أبو حنيفة : يملكها ويغرم مثلها ، وما حصل من نماء عند الحصاد كان له ويأمره ، أن يتصدق به وهكذا القول فيمن غصب غرسا فغرسه حتى صار شجرا ملكه وغرم قيمته حين ملكه وهذا خطأ يدفعه نص قوله - صلى الله عليه وسلم - : ليس لعرق ظالم حق . وإذا كان كذلك لم يخل مال الحنطة المزروعة عند مطالبة المالك لها من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون بذرا

والثاني : أن يكون بقلا .

والثالث : أن يكون سنبلا .

[ ص: 192 ] فإن كانت بذرا ، فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون جمعه ممكنا .

والثاني : أن يكون غير ممكن . فإن كان جمعه ممكنا ، فعلى ضربين :

أحدهما : أن تقل مؤنة جمعه للمغصوب منه أن يأخذ الغاصب بجمعه ورده .

والثاني : أن تكثر مؤنة جمعه ، فعلى وجهين من اختلافهم فيمن غصب حنطة في بلد فنقلها إلى غيره . هل يكلف الغاصب نقلها ورد عينها ، أو يجوز له رد مثلها على وجهين :

أحدهما : يرد المنقولة بعينها إلى البلد وبجمع المبذورة بعينها من الأرض .

والوجه الثاني : أنه لا يكلف نقل المنقولة ، وله رد مثلها ، ولا يكلف جمع المبذورة ويكون في حكم ما لا يمكن جمعه من البذر ، وما لا يمكن جمعه من الحب وكان بذرا فالمغصوب منه بالخيار بين أن يطالب الغاصب بمثله وبين أن يصير عليه إلى نباته وإمكان أخذه فإن رضي بالمثل ملك المثل وزال ملكه عن البذور فإذا نبت فلا حق له فيه لزوال ملكه عنه بالمثل وكان صبر عليه إلى نباته وإمكان أخذه فذلك له لبقائه على ملكه وسواء كان مبذورا في أرض المغصوب منه ، أو في أرض الغاصب ، أو في أرض أجنبي فإذا صار بقلا يمكن جزه كان في حكم ما سنذكره فلو تلف الزرع في الأرض قبل أخذه نظر فإن كان تلفه قبل إمكان أخذه في حال كونه حبا فنقله النمل ، أو بعد أن نبت على حد لا يمكن أخذه فأكله الدود ، فعلى الغاصب ضمانه بالقيمة دون المثل في أكثر أحوالها ؛ لأن إعواز أخذه قبل التلف بتعديه وإن كان تلفه بعد إمكان أخذه بقلا ذا قيمة فالغاصب برئ من ضمانه ؛ لأنه بالترك بعد المكنة من الأخذ قاطع لتعدي الغاصب .

وأما القسم الثاني : وهو أن يكون البذر قد صار بقلا ذا قيمة يمكن أخذه فللمغصوب منه حالتان . حالة يرضى بأخذه بقلا وحالة يطالب بمثله حبا فإن رضي به المغصوب منه بقلا فهو أحق به وإن كانت قيمته بقلا أقل من قيمته حبا رد على الغاصب بقدر الناقص من القيمة وإن كانت قيمته بقلا مثل قيمته حبا ، أو أزيد من قيمة الحب فلا شيء على الغاصب فلو كانت قد نقصت من قيمة الحب في أول نباته ثم زادت قيمته بعد تمامه ففي ضمان الغاصب لذلك النقص وجهان . ذكرناها في الجارية المغصوبة إذا نقصت بمرض ثم زال النقص بزوال المرض .

أحدهما : أنه غير مضمون عليه ؛ لأنه نقص لم يستقر فجرى مجرى نقص السوق .

الوجه الثاني : أنه مضمون عليه ؛ لأن الضمان قد لزم بحدوث النقص فلم يسقط بحادث زيادة لا يملكها فأما إذا قال لست أرضى به بقلا وأريد مثل المغصوب مني حبا ففيه وجهان : [ ص: 193 ] أحدهما : يجاب إلى طلبه ويؤخذ الغاصب بإعطائه مثل حنطته ليصل إلى مثل المغصوب . المغصوبة لا يلزم غرم أصلها لنقص إن حدث فيها ، أو حال انتقل عنها كالثوب إذا أخلق ، والشاة إذا ذبحت وإذا كان كذلك واستقر ملك المغصوب منه بالرضا ، أو على أحد الوجهين مع عدم الرضا لم يخل حال الأرض التي زرع فيها من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن تكون لمالك الزرع فله إقرار الزرع فيها إلى الحصاد إن شاء وله مطالبة الغاصب بأجرة الأرض قبل أخذها منه وإن كان قد شغلها بالزرع الصائر إليه لتعديه غصبا وزرعا .

والقسم الثاني : أن تكون الأرض للغاصب فهل يجبر على استبقاء الزرع في أرضه إلى وقت حصاده أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : لا يجبر عليه وله أخذ المغصوب منه بقلعه لحصول البذر في الأرض بالتعدي

والوجه الثاني : يجبر الغاصب على تركه إن بذل له المغصوب منه أجر المثل من وقت التسليم إلى وقت الحصاد لحصول البذر في أرضه باختياره .

وأما القسم الثالث : أن تكون الأرض لأجنبي فلمالك الأرض أن يأخذ مالك الزرع بقلعه إلا أن يجب إلى تركه راضيا بأجرة ، أو تطوع ؛ لأنه مغصوب .

وأما القسم الثالث : وهو أن يكون البذر قد صار سنبلا فللمغصوب منه أخذه في سنبله وليس له مطالبة الغاصب بالبدل ؛ لأنه في سنبله قد عاد إلى حاله قبل غصبه ثم جميع ما لزم الغاصب عليه مؤنة سقي وعمل فمتطوع به من ماله لا يرجع بشيء منه على المغصوب منه وأما العشر الواجب للفقراء فهو حق الله تعالى في الزرع فلا يلزم الغاصب ؛ لأنه إن قيل إنه يجب في ذمة المالك فليس الغاصب مالكا ، وإن قيل إنه يجب في عين الزرع فلا تعلق له بالغاصب فإن أخذ منه العشر وهو في يد الغاصب نظر فإن أخذه الإمام أجزأ ، ولا ضمان على الغاصب وإن فرقه الغاصب على الفقراء لم يجز ذلك عن الواجب فيه لعدم النية من المالك في إخراجه ويكون الغاصب ضامنا لما أخرج فلو أخذ العشر من الغاصب قال لا يجزئ أخذه لوضعه الزكاة في غير موضعها ضمن الغاصب ما أخذه الوالي منه وإن أخذه منه جبرا ؛ لأن الغاصب ضامن لما غصبه منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث