الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : والأصل في إحلال القراض وإباحته عموم قول الله عز وجل ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ، [ البقرة : 198 ] ، وفي القراض ابتغاء فضل وطلب نماء .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وفي القراض رزق بعضهم من بعض .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضارب لخديجة بأموالها إلى الشام وأنفذت معه خديجة عبدا [ ص: 306 ] لها يقال له ميسرة ، وروى أبو الجارود عن حبيب بن يسار عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : كان العباس إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ، ولا ينزل به واديا ، ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل ذلك فهو ضامن فرفع شرطه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجازه .

وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - قدما في جيش العراق ، وقد تسلفا من أبي موسى الأشعري مالا اشتريا به متاعا فربحا فيه بالمدينة ربحا كثيرا فقال لهما عمر : أكل الجيش تسلف مثل هذا ؟ فقالا : لا ، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كأني بكما ، وقد قال أبو موسى : إنكما ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما بمال المسلمين ، ردا المال ، والربح ، فقال عبيد الله : أرأيت يا أمير المؤمنين لو تلف المال كنا نضمنه ؟ قال : نعم ، قال : فربحه لنا إذن ، فتوقف عمر ، فقال له بعض جلسائه : لو جعلته قراضا يا أمير المؤمنين يعني في مشاطرتهما على الربح كمشاطرته في القراض ففعل .

وعلى هذا الأثر اعتمد الشافعي لاشتهاره وانعقاد الإجماع له .

ووجه الاستدلال منه مختلف بين أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه : أحدها أن وجه الاستدلال به قول الجليس لو جعلته قراضا وإقرار عمر له على صحة هذا القول فكانا معا دليلين على صحة القراض ، ولو علم عمر فساده لرد قوله فلم يكن ما فعله معهما قراضا لا صحيحا ولا فاسدا ، ولكن استطابا طهارة أنفسهما بما أخذه من ربحهما لاسترابته بالحال واتهامه أبا موسى بالميل ؛ لأنهما ابنا أمير المؤمنين ، الأمر الذي ينفر منه الإمام العادل وتأباه طبيعة الإسلام .

والوجه الثاني : أن عمر أجرى عليه في الربح حكم القراض الفاسد ؛ لأنهما عملا على أن يكون الربح لهما ، ولم يكن قد تقدم في المال عقد يصح حملهما عليه فأخذ منهما جميع الربح وعاوضهما على العمل بأجرة المثل ، وقدره بنصف الربح فرده عليهما أجرة ، وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي .

والوجه الثالث : أن عمر - رضي الله عنه - أجرى عليهما في الربح حكم القراض الصحيح وإن لم يتقدم معهما عقد ؛ لأنه كان من الأمور العامة فاتسع حكمه عن العقود الخاصة ، فلما رأى المال لغيرهما ، والعمل منهما ، ولم يرهما متعديين فيه ، جعل ذلك عقد قراض صحيح ، [ ص: 307 ] وهذا ذكره أبو علي بن أبي هريرة . فعلى هذا الوجه يكون القول والفعل معا دليلا مع ما رواه الشافعي عن عمر - رضي الله عنه - أنه دفع مالا قراضا على النصف ، وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان - رضي الله عنه - دفع إليه مالا قراضا على النصف .

ثم دليل جوازه من طريق المعنى أنه لما جاءت السنة بالمساقاة وهي عمل في محل يستوجب به شطر ثمرها اقتضى جواز القراض بالمال ليعمل فيه به ببعض ربحه ، فكانت السنة في المساقاة دليلا على جواز القراض ، وكان الإجماع على صحة القراض دليلا على جواز المساقاة ، ولأن فيهما رفقا بين عجز عن التصرف من أرباب الأموال ومعونة لمن عدم المال من ذوي الأعمال لما يعود على الفريقين من نفعهما ويشتركان فيه من ربحهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث