الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة العامل في القراض ممنوع أن يقارض غيره بمال القراض ما لم يأذن له رب المال

فصل : فإذا تقرر ما وصفنا من القولين في الغاصب فحكم العامل إذا قارض مبني عليهما ؛ لأنه بالقراض غاصب فيصير ضامنا للمال ، وفي الربح قولان :

أحدهما : وهو القديم أن ربح المغصوب لرب المال ، فعلى هذا قال المزني هاهنا إن لرب المال نصف الربح ، والنصف الآخر بين العامل الأول والعامل الثاني .

واختلف أصحابنا في ذلك :

فكان أبو العباس بن سريج يقول : يجب أن يكون على هذا القول جميع الربح لرب المال ؛ لأنه ربح مال مغصوب فأشبه المغصوب من غير مقارضة ، فإذا أخذ رب المال ماله وربحه كله رجع العامل الثاني على العامل الأول بأجرة مثله ؛ لأنه هو المستهلك لعمله والعامل له بقراضه .

فلو تلف المال في يد العامل الثاني كان ربه بالخيار في الرجوع برأس ماله وجميع ربحه على من شاء من العامل الأول ، أو العامل الثاني ؛ لأن الأول ضامن بعدوانه ، والثاني ضامن بيده .

[ ص: 338 ] فإن أغرم الأول لم يرجع على الثاني بشيء ؛ لأنه أمينه فيما غرمه ، وإن أغرم الثاني رجع على الأول بما غرمه مع أجرة مثل عمله .

ولا يلزم رب المال - وإن أخذ جميع الربح - أن يدفع إلى واحد من العاملين أجرة المثل لإجراء حكم الغصب عليهما بالمخالفة .

وذهب أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وجمهور أصحابنا إلى أن ما رواه المزني على هذا القول صحيح ، وأن رب المال ليس له من الربح إلا نصفه بخلاف المأخوذ غصبا محضا ؛ لأن رب المال في هذا الموضع دفع المال راضيا بالنصف من ربحه وجاعلا نصفه الباقي لغيره ، فذلك لم يستحق منه إلا النصف .

فأما النصف الباقي فقد روى المزني أنه يكون بين العاملين .

واختلف أصحابنا في ذلك على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي أن هذا خطأ من المزني في نقله ، ويجب أن يكون النصف الباقي من الربح للعامل الأول ، ولا حق فيه للثاني لفساد عقده ويرجع على الأول بأجرة مثل عمله ، فيجعل الربح بين رب المال ، والعامل الأول ، ويجعل للثاني أن يرجع بأجرة مثله على الأول .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن نقل المزني صحيح ، ويكون النصف الباقي من الربح بين العاملين نصفين على شرطهما ؛ لأنه لما جرى على العامل الأول حكم القراض مع رب المال ، جرى على العامل الأول حكم القراض مع العامل الثاني فصار النصف الباقي بينهما على سواء ، ولا شيء للعامل الثاني على الأول فيما أخذه رب المال من نصف الربح ؛ لأنه باستحقاق رب المال بألف منهما ، ويصيرا كأنه لا ربح لهما إلا النصف الباقي ، فهذا حكم قوله في القديم .

والقول الثاني : وهو الجديد أن ربح المال المغصوب للغاصب ، فعلى هذا لا شيء لرب المال في الربح ، وله مطالبة أي العاملين شاء برأس ماله ؛ لأن كل واحد منهما ضامن ، أما الأول فبعدوانه ، وأما الثاني فبيده .

فأما الربح فقد قال المزني : يكون للعامل الأول ، وعليه للثاني أجرة مثله . واختلف أصحابنا فيه على وجهين :

أحدهما : وهو محكي أن المزني مخطئ في نقله ، والربح كله للعامل الثاني دون الأول ؛ لأنه إذا صار الربح تبعا للعمل ، وبطل أن يكون تبعا للمال وجب أن يكون للثاني الذي له العمل دون الأول الذي ليس له عمل .

[ ص: 339 ] والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن المزني مصيب في نقله ، والربح للعامل الأول دون الثاني ، وللثاني عليه أجرة المثل ؛ لأنه اشتراه في قراض فاسد ، والعامل في القراض الفاسد لا يملك ربحه وإن فسد قراضه ؛ لأنه اشتراه لغيره وإنما يستحق بفساد العقد أجرة مثله كمن استأجر أجيرا ليصيد له ويحتش إجارة فاسدة ، فصاد الأجير واحتش ، كان الصيد والحشيش للمستأجر دون الأجير ؛ لأنه فعل ذلك لمستأجره لا لنفسه ويرجع عليه بأجرة مثله .

فهذا حكم قوله في الجديد .

فتخرج في الربح على ما شرحنا من حكم القولين خمسة مذاهب :

أحدها : أن جميع الربح لرب المال ، ولا شيء فيه للعاملين ، وهذا مذهب أبي العباس بن سريج على قوله في القديم .

والثاني : أن نصف الربح لرب المال ، والنصف الآخر للعامل الأول ، وللعامل الثاني على العامل الأول أجرة مثله . وهذا مذهب أبي إسحاق المروزي على قوله في القديم .

والثالث : أن نصف الربح لرب المال ، والنصف الباقي بين العاملين نصفين وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة على قوله في القديم .

والرابع : أن الربح كله للعامل الثاني ، ولا شيء فيه لرب المال ، ولا للعامل الأول ، وهذا مذهب محكي على قوله في الجديد .

والخامس : أن الربح كله للعامل الأول ، ولا شيء فيه لرب المال ، ولا للعامل الثاني ، بل يرجع بأجرة مثله على العامل الأول ، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة على قوله في الجديد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث