الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية ; لقوله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } ; ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة ، وفي وقت النية وجهان : ( أحدهما ) يجب أن ينوي حال الدفع ; لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة .

( والثاني ) يجوز تقديم النية عليها ; لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل ، فجاز تقديم النية بخلاف الصلاة ، ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال ، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه ; لأن الصدقة قد تكون نفلا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين . ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه . وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال : هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه ; لأنه لو أطلق النية لكانت عن ( أحدهما ) فلم يضر تقييده بذلك . فإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكا أجزأه ; لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكا لكان هذا عن الحاضر . وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه ; لأنه لم يخلص النية للفرض .

وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو تطوع وكان سالما أجزأه ; لأنه أخلص النية للفرض ; ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد . وإن كان له من يرثه فأخرج مالا وقال : إن كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه [ ص: 157 ] لأنه لم يبن النية على أصل ; لأن الأصل بقاؤه ، وإن كل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ، ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه . وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه ; لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية ، وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : يجوز قولا واحدا ; لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل ، فتعين المدفوع للزكاة ، فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية . ومن أصحابنا من قال : يبني على جواز تقديم النية ، فإن قلنا : يجوز أجزأه ، وإن قلنا : لا يجوز لم يجزه ، وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان : ( أحدهما ) يجزئه وهو ظاهر النص ; لأن الإمام لا يدفع إليه الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية . ومن أصحابنا من قال : لا يجزئه ، وهو الأظهر ; لأن الإمام وكيل للفقراء ، ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع ، فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم ، وتأول هذا القائل قول الشافعي رحمه الله على من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرا فإنه لا يجزئه ; لأنه تعذرت النية من جهته ، فقامت نية الإمام مقام نيته ) .

التالي السابق


( السابعة ) إذا تولى السلطان قسم زكاة إنسان ، فإن كان المالك دفعها طوعا ونوى عند الدفع ، كفاه وأجزأ ولا يشترط نية السلطان عند الدفع إلى الأصناف بلا خلاف ; لأنه نائبهم في القبض ، فإن لم ينو المالك ونوى السلطان أو لم ينو أيضا فوجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب .

( أحدهما ) يجزئه . قال المصنف والأصحاب : وهو ظاهر النص في المختصر وبه قطع جماعة من العراقيين منهم المحاملي والقاضي أبو الطيب في المجرد وصححه الماوردي : لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية .

( والثاني ) لا يجزئه ; لأنه لم ينو ، والنية واجبة بالاتفاق ; ولأن الإمام إنما يقبض نيابة عن المساكين ، ولو دفع المالك إلى المساكين بلا نية لم يجزئه فكذا إذا دفع إلى نائبهم ، وهذا هو الأصح صححه المصنف هنا وفي التنبيه وشيخه القاضي أبو الطيب والبندنيجي والبغوي وآخرون ، وصححه الرافعي في المحرر قال الرافعي في الشرح : هذا هو الأصح عند جمهور المتأخرين ، وتأولوا نص الشافعي في المختصر ، على أن المراد به الممتنع من دفع الزكاة فيجزئه إذا أخذها الإمام لكن نص الشافعي في الأم أنه يجزئه إذا أخذها الإمام . وإن لم ينو المالك طائعا كان أو مكرها ، قلت : وهذا نص يمكن تأويله أيضا على أن المراد يجزئه في الظاهر فلا يطالب بالزكاة مرة أخرى . وأما في الباطن فمسكوت عنه وقد قام دليل على أنه لا يجزئه في الباطن . وهو ما ذكرناه . [ ص: 164 ] هذا كله إذا دفع رب المال إلى الإمام باختياره . فأما إذا امتنع فأخذها منه الإمام قهرا - فإن نوى رب المال حال الأخذ - أجزاه ظاهرا وباطنا وإن لم ينو الإمام ، وهذا لا خلاف فيه ، كما سبق في حال الاختيار . وإن لم ينو رب المال نظر إن نوى الإمام أجزأه في الظاهر فلا يطالب ثانيا وهل يجزئه باطنا ؟ فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين ( أصحهما ) يجزئه وهو ظاهر كلام المصنف وجمهور العراقيين . وتقوم نية الإمام مقام نيته للضرورة كما تقوم نية ولي الصبي والمجنون والسفيه مقام نيته للضرورة . وإن لم ينو الإمام أيضا لم يسقط الفرض في الباطن قطعا . وهل يسقط في الظاهر ؟ فيه وجهان مشهوران أيضا ( الأصح ) لا يسقط . هكذا ذكره البغوي وآخرون ( وأما ) وجوب النية على الإمام فالمذهب وجوبها عليه وأنها تقوم مقام نية المالك . وأن الإمام إذا لم ينو عصى . هكذا قال هذا كله القفال في شرحه التلخيص والرافعي وآخرون . وقال إمام الحرمين والغزالي : إن قلنا : لا تسقط الزكاة عن الممتنع في الباطن لم تجب النية على الإمام . وإلا فوجهان : ( أحدهما ) تجب كالولي .

( والثاني ) لا ; لئلا يتهاون المالك بالواجب عليه . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث