الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقد يختلف الرضاع فلما لم يوجد فيه إلا هذا جازت فيه الإجارة وذكرها الله تعالى في كتابه وعمل بها بعض أنبيائه فذكر موسى عليه السلام وإجارته نفسه ثماني حجج ملك بها بضع امرأته وقيل استأجره على أن يرعى له غنما فدل بذلك على تجويز الإجارة ومضت بها السنة وعمل بها بعض الصحابة ، والتابعين ، ولا اختلاف في ذلك بين أهل العلم ببلدنا وعوام أهل الأمصارقال الشافعي رحمه الله تعالى : " فالإجارات صنف من البيوع ؛ لأنها تمليك لكل واحد منهما من صاحبه " .

قال الماوردي : عقد الإجارة على منافع الأعيان جائز وهو قول الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء وحكى الشافعي خلاف بعض أهل الكلام فيها وهو ما حكي عن الأصم وابن علية أنها باطلة .

استدلالا بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر ، والغرر يدخل عقد الإجارة من وجوه شتى منها أن المنافع المستقبلة غير مخلوقة ، والعقد على ما لم يخلق باطل .

ومنها أن العقد يتوجه إلى عين حاضرة ترى ، أو غائبة توصف وليست المنافع أعيانا حاضرة ، ولا غائبة فلم يصح العقد عليها ومنها أن منافع العبد المعقود عليه قد تختلف بحسب اختلاف قوته وضعفه ونشاطه وكسله . قال الشافعي : وهذا قول جهل ممن قاله ، والإجارات أصول في أنفسها بيوع على وجهها ، والدلالة على جوازها قول الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق : 6 ] .

قال الشافعي : ( فأجاز الإجارة على الرضاع ) ، والرضاع يختلف بكثرة رضاع المولود وقلته وكثرة اللبن وقلته ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت الإجارة عليه وإذا جازت عليه جازت على مثله ، وما هو في مثله معناه وهذا استدلال صحيح ؛ لأن جهالة الرضاع من وجهين : أحدهما : قلة اللبن وكثرته .

والثاني : قلة شرب الصبي وكثرته ثم صحت الإجارة فيه فكانت صحتها في غيره أولى واستدل الشافعي على ذلك ( بقوله تعالى ) قالت إحداهما ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج [ القصص : 26 - 27 ] [ ص: 389 ] فذكر الله تعالى أن نبيا من أنبيائه آجر نفسه حججا مسماة ملك بها بضع امرأة فدل على جواز الإجارة .

واختلفوا هل كان استئجار موسى لحجج تؤدى ، أو لعمل يستوفى فقال قوم بل كان على حجج استدلالا بظاهر اللفظ وجعلوا ذلك دليلا على جواز الإجارة على الحج . وقال آخرون : بل كان على عمل وهو رعي غنم ثماني سنين .

والعرب تسمي السنة حجة ؛ لأنه لا يقع في السنة الواحدة إلا حجة واحدة .

قال الشاعر :


كأني وقد جاوزت سبعين حجة خلفت بها عن منكبي دائيا



واستدل أبو إسحاق المروزي على جواز الإجارة من الكتاب بقوله تعالى في قصة موسى ، والخضر عليهما السلام : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا [ الكهف : 77 ] .

فدل ذلك من قول موسى عليه السلام وإمساك الخضر على جواز الإجارة واستباحة الأجرة ويدل على ذلك من طريق السنة رواية أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يستام الرجل على سوم أخيه ، ولا يخطب على خطبته ، ولا تناجشوا ، ولا تبيعوا بإلقاء الحجر ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره .

وروي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته رجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ، ولم يوفه أجره . ورجل أعطى بي صفقة يمينه ثم غدر وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - قال : أيعجز أحدكم أن يكون كصاحب الفرق وذكر قصة ثلاثة من بني إسرائيل أن أحدهم استأجر أجيرا بفرق من بر فعمل ، ولم يأخذ أجرته فزرعه له حتى نما وصار قدرا عظيما ثم عاد الأجير فدفع إليه جميعه .

[ ص: 390 ] وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مثلكم فيمن مضى كرجل استأجر أجيرا من طلوع الشمس إلى زوالها بقيراط الحديث وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الهجرة قال : يا علي ارتد لنا دليلا من الأزد فإنهم أوفى للعهد فاستأجر عبد الله بن أريقط الليثي من الأزد دليلا إلى المدينة .

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ولد ابنه إبراهيم استأجر له ظئرا ( يقال لها ) أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو يوسف . وروى أبو أمامة قال : قلت لابن عمر بأني رجل أكري إبلي أفتجزئ علي من حجتي فقال : ألست تلبي وتقف وترمي قلت : بلى .

قال ابن عمر : سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل عما سألتني عنه فلم يجبه حتى أنزل الله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ]
، وروي أن عليا عليه السلام كان يسقي الماء لامرأة يهودية كل دلو بتمرة .

وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لبسرة بنت صفوان بعقبة رجلي وطعام بطني فكنت أخدم إذا نزلوا وأخدم إذا ركبوا فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما .

ولأن الحاجة إلى الإجارة داعية ، والضرورة إليها ماسة ؛ لأنه ليس كل من أراد عملا قدر عليه بنفسه ، ولا إن قدر عليه حسن به كما أنه ليس كل من أراد طعاما لمأكله وثيابا لملبسه قدر على عمله بنفسه وعلى إحداثه وإنشائه فدعت الضرورة إلى الإجارة على المنافع كما دعت الضرورة إلى ابتياع الأعيان ثم كان البيع جائزا فكذلك الإجارة .

وأما الجواب عن استدلالهم بنهيه عن الغرر فمن وجهين :

أحدهما : أنه ليس بغرر ؛ لأن حقيقة الغرر ما تردد بين جوازين على سواء ، والأغلب في الإجارة حال السلامة .

والثاني : أنه غرر خص بالشرع لقلته وضرورته .

وأما الجواب عن قولهم أنه عقد على ما لم يخلق كالبيع فهو أن بيع ما لم يخلق إنما بطل ؛ لأنه يمكن العقد عليه بعد أن خلق ، والمنافع لما لم يمكن العقد عليها بعد أن خلقت لفواتها جاز العقد عليها قبل أن تخلق وأما الجواب عن قولهم أنها ليست أعيانا حاضرة ، ولا غائبة فهو أنها منافع أعيان حاضرة فأشبه النكاح .

[ ص: 391 ] وأما الجواب عن قولهم أن المنافع تختلف من الوجوه التي ذكرت فهو أن العقد إن كان على منافع مضمونة في الذمة فهي معلومة غير مختلفة وإن كان على مدة فإنه يستوفى من العبد عمل مثله جبرا إن لم يؤده طوعا حتى تنقضي مدة إجارته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث