الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ومن تكرر الخنق ) بكسر النون ( منه في المصر ) [ ص: 118 ] أي خنق مرارا ذكره مسكين ( قتل به ) سياسة لسعيه في الأرض بالفساد وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل ( وإلا ) بأن خنق مرة ( لا ; لأنه كالقتل بالمثقل ) وفيه القود عند غير أبي حنيفة رحمه الله تعالى . -

التالي السابق


( قوله بكسر النون ) أي ككتف وتسكن للتخفيف ومثله الحلف والحلف وفعله من باب قتل مصباح ( قوله في المصر ) وكذا في غيره كما في [ ص: 118 ] شرح الشلبي عن الجامع الصغير ، فهو قيد اتفاقي بل غير المصر يعلم بالأولى ، وإنما قيد به لئلا يتوهم أنه لا يكون كذلك في المصر كما في قطع الطريق ( قوله أي خنق مرارا ) أراد مرتين فصاعدا بقرينة قوله الآتي وإلا بأن خنق مرة . وفي البحر : قيد بتعدده ; لأنه لو خنق مرة واحدة فلا قتل عند الإمام ( قوله سياسة ) قدمنا الكلام عليها في حد الزنا ( قوله وكل من كان كذلك ) كاللوطي والساحر والعواني والزنديق والسارق كما قدمناه في أوائل باب التعزير ( قوله عند غير أبي حنيفة ) أي عند صاحبيه ومن وافقهما من باقي الأئمة ، أما عند أبي حنيفة فتجب الدية على عاقلته كما في البحر والله سبحانه أعلم .

بسم الله وبحمده ، والصلاة والسلام على نبيه وعبده ، وعلى آله وصحبه وجنده . وبعد : فيقول مؤلفه أفقر العباد إلى عفو مولاه يوم التناد محمد أمين الشهير بابن عابدين ، خادم العلوم الشرعية ، في دمشق الشام المحمية قد نجز تسويد هذا النصف المبارك ، بعون الله جل وتبارك من الحاشية المسماة [ رد المحتار ، على الدر المختار ] في صفر الخير سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف ، من هجرة نبينا محمد الذي تم به الألف صلى الله عليه وسلم وشرفه وعظم ، فجاء بحمد الله تعالى مكملا فرعا وأصلا ، [ ردا للمحتار على الدر المختار ] اسما وفعلا ، لاشتماله على تنقيح عباراته ، وتوضيح رموزه وإشاراته ، والاعتناء ببيان ما هو الصحيح المعتمد ، وما هو معترض ومنتقد ، وتحرير المسائل المشكلة ، والحوادث المعضلة ، التي لم يوضح كثيرا منها أحد قبل ذلك ، ولا سلك مهمة بيانها سالك مشحونا بذخائر زبر المتقدمين ، وخلاصة كتب المتأخرين ، ورسائلهم المؤلفة في الحوادث الغريبة ، الجامعة للفوائد العجيبة كرسائل العلامة ابن نجيم الأربعين ، ورسائل العلامة الشرنبلالية الستين ، وكثير من رسائل العلامة علي القاري خاتمة الراسخين ورسائل سيدي عبد الغني النابلسي الحبر المتين ورسائل العلامة قاسم خاتمة المجتهدين .

وحواشي البحر والمنح والأشباه وجامع الفصولين للفهامة الشيخ خير الدين ، وفتاويه الخيرية وفتاوى ابن الشلبي والرحيمي والشيخ إسماعيل والفتاوى الزينية والتمرتاشية والحامدية وفتاوى غيرهم من المفتين وتحويرات شيوخنا ومشايخهم المعتبرين ، وما من به الله تعالى على عبده من الرسائل التي ناهزت الثلاثين ، وما حررته ونقحته في كتابي تنقيح الفتاوى الحامدية الذي هو بهجة الناظرين ، وغير ذلك من كتب السادة الأخيار المعتمدين ، مع بيان ما وقع من سهو أو غلط في كتب الفتاوى وكتب الشارحين ، ولا سيما ما وقع في البحر والنهر والمنح والأشباه والدرر وكتب المحشين ، حتى صار بحمد الله تعالى عمدة المذهب ، والطراز المذهب ، ومرجع القضاة والمفتين ، كما يعلمه من غاص بأفكاره في تياره من العلماء العاملين ، الخالين عن داء الحسد المضني للجسد الصادقين المنصفين .

فدونك كتابا قد أعملت فيه الفكر ، وألزمت فيه الجفن السهر ، وغرست فيه من فنون التحرير أفنانا ، وفتقت فيه عن عيون المشكلات أجفانا ، وأودعت فيه من كنوز الفوائد ، عقود الدرر الفرائد ، وبسطت فيه من أنفع المقاصد ، أحسن الموائد ، وجلوت فيه على منصة الأنظار ، عرائس أبكار الأفكار ، وكشفت فيه بتوضيح العبارات ، قناع المخدرات ، ولم أكتف بتلويح الإشارات ، عن تنقيح كشف تحرير الخفيات ، فهو يتيمة الدهر ، وغنيمة أهل العصر ، وما ذاك إلا بمحض إنعام المولى ، الذي هو بكل حمد وشكر أحق وأولى ، حيث أبرز هذه الجواهر المكنونة ، والدرر الفرائد المصونة ، في ميمون أيام خليفة الله في أرضه ، القائم بواجب حقه وفرضه ، رافع ألوية الشريعة البديعة ومؤيدها ، وموطد أبنيتها المنيعة والرفيعة ومشيدها ، المجاهد في سبيل الله حق جهاده ، والقاطع لدابر الكافرين بحده واجتهاده ، الذي ابتسمت ثغور البلاد ببارقات مرهفاته ، وبكت عيون عيون ذوي العناد بقاهرات عزماته ، وأبدع نظام [ ص: 119 ] كتائب الجيوش بآرائه السديدة ، ورفع أفئدة الأكاسرة القياصرة بقوة بطشته الشديدة .

يكاد سنا برق طلعته يذهب بالأبصار ، وغصن رأفته يميس لينا كميس الأغصان ذات الأزهار ، وتكاد صواعق سطوته تزيح صم الجبال ، ومواكب كتائب حوزته تفتي عدد الرمال ، من أنام الأنام في أيامه في ظل الأمان ، ورعى الرعية في مراعي الرعاية والإحسان ، وأنار بنوار رياض أمنه بلاد المسلمين فضاء فضاء صدورهم بنور اليقين ، وأزاح غيوم غمومهم بردع المشركين ، فلاح فلاح قلوبهم لأعين الناظرين ، راح وراح غفلاتهم بإيقاظ النائمين ، فصاح فصاح ألسنتهم بالدعاء له كل حين :

خليفة خلفت أنوار غرته شمس الضحى ونداه يخلف الديما     سالت فواضله للمعتفي نعما
صالت نواضله للمعتدي نقما

السلطان الأعظم ، والخاقان الأفخم ، تاج ملوك العرب والعجم ، ظل الله في أرضه للأمم ، محمود الذات ، ممدوح الصفات ، لا زالت دعائم سلطنته قائمة ، وعيون الحوادث عنها نائمة ، ولا برحت رياض عزته مخضرة بديم الديمومة والأبود ، ورياحين ذريته ريانة بطلاوة التأبيد والخلود ، ولا زالت أعيان دولته من علمائه وقضاته ووزرائه ، يزيل نبراس آرائهم دجى الجور بسناه وسنائه ، ولا فتئت نجوم جنوده الساطعة في أفلاك سمائه ، شهبا ثواقب على مردة أعدائه ، آمين آمين آمين .

وهذا ، وقد نجز هذا السفر المسفر ، عن روض أريض مزهر ، مقابلة وتصحيحا بحسب الإمكان ، سوى ما شذ بعروض سهو أو نسيان ، لا تخلو عنه جبلة الإنسان ، وذلك برسم من أمر باستكتابه ، رغبة في نيل رضا مولاه وثوابه الإمام الهمام ، علي القدر والمقام ، من امتطى الجوزاء بزمام وصال في مواكب العز وحام ، واشتهر اشتهار البدر في الظلام ، قاضي قضاة الإسلام ، منفذ القضايا والأحكام بالإتقان والإحكام ، ذي الخيرات الحميدة ، والمآثر الفريدة التي لا ترام ، مولانا عبد الحميد أفندي كجه جى زاده القاضي سابقا بدمشق الشام ، دام في عز وإنعام ، ومجد واحترام ، بجاه من هو للأنبياء ختام ، وآله وصحبه السادة الكرام ، عليه و عليهم الصلاة والسلام ، في البدء والختام . ولكل المسلمين آمين آمين آمين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث