الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومنها الخروج عن المسجد من غير عذر ; لأن استقبال القبلة حال الاختيار شرط جواز الصلاة هذا كله من الحدث العمد والكلام والسلام والقهقهة والخروج من المسجد إذا فعل شيئا من ذلك قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير فأما إذا قعد قدر التشهد ثم فعل شيئا من ذلك فقد أجمع أصحابنا على أنه لو تكلم أو خرج من المسجد لا تفسد صلاته سواء كان منفردا أو إماما خلفه لاحقون أو مسبوقون وسواء أدرك اللاحقون الإمام في صلاته وصلوا معه أو لم يدركوا ، وكذلك لو قهقه أو أحدث متعمدا وهو منفرد وإن كان إماما خلفه لاحقون ومسبوقون فصلاة الإمام تامة بلا خلاف بين أصحابنا وصلاة المسبوقين فاسدة في قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد تامة .

وجه قولهما أن القهقهة والحدث لم يفسدا صلاة الإمام فلا يفسدان صلاة المقتدي وإن كان مسبوقا ; لأن صلاة المقتدي لو فسدت إنما تفسد بإفساد الإمام صلاته لا بإفساد المقتدي لانعدام المفسد من المقتدي فلما لم تفسد صلاة الإمام مع وجود المفسد من جهته فلأن لا تفسد صلاة المقتدي أولى ، وصار كما لو تكلم أو خرج من المسجد ، ولأبي حنيفة الفرق بين الحدث العمد والقهقهة وبين الكلام والخروج من المسجد ، والفرق أن حدث الإمام إفساد للجزء الذي لاقاه من صلاته فيفسد ذلك الجزء من صلاته ويفسد من صلاة المسبوق إلا أن الإمام لم يبق عليه فرض فيقتصر الفساد في حقه على الجزء وقد بقي للمسبوق فروض فتمنعه من البناء ، فأما الكلام فقطع للصلاة ومضاد لها كما ذكرنا فيمنع من الوجود ولا تفسد وشرح هذا الكلام أن القهقهة والحدث العمد ليسا بمضادين للصلاة بل هما مضادان للطهارة والطهارة شرط أهلية الصلاة فصار الحدث مضادا للأهلية بواسطة مضادته شرطها ، والشيء لا ينعدم بما لا يضاده فلم تنعدم الصلاة [ ص: 238 ] بوجود الحدث ; لأنه لا مضادة بينهما ، وإنما تنعدم الأهلية فيوجد جزء من الصلاة لانعدام ما يضاده ويفسد هذا الجزء لحصوله ممن ليس بأهل ولا صحة للفعل الصادر من غير الأهل وإذا فسد هذا الجزء من صلاة الإمام فسدت صلاة المقتدي ; لأن صلاته مبنية على صلاة الإمام فتتعلق بها صحة وفسادا ; لأن الجزء لما فسد من صلاة الإمام فسدت التحريمة المقارنة لهذا الفعل الفاسد ; لأنها شرعت لأجل الأفعال فتتصف بما تتصف الأفعال صحة وفسادا فإذا فسدت هي فسدت تحريمة المقتدي فتفسد صلاته إلا أن صلاة الإمام ومن تابعه من المدركين اتصفت بالتمام بدون الجزء الفاسد .

فأما المسبوق فقد فسد جزء من صلاته وفسدت التحريمة المقارنة لذلك الجزء فبعد ذلك لا يعود إلا بالتحريمة ولم يوجد فلم يتصور حصول ما بقي من الأركان في حق المسبوق فتفسد صلاته بخلاف الكلام فإنه ليس بمضاد لأهلية أداء الصلاة بل هو مضاد للصلاة نفسها ، ووجود الضد لا يفسد الضد الآخر بل يمنعه من الوجود فإن أفعال الصلاة كانت توجد على التجدد والتكرار فإذا انعدم فعل يعقبه غيره من جنسه فإذا تعقبه ما هو مضاد للصلاة لا يتصور حصول جزء منها مقارنا للضد بل يبقى على العدم على ما هو الأصل عندنا في المتضادات وانتهت أفعال الصلاة فلم تتجدد التحريمة ; لأن تجددها كان لتجدد الأفعال وقد انتهت فانتهت هي أيضا وما فسدت ، وبانتهاء تحريمة الإمام لا تنتهي تحريمة المسبوق كما لو سلم فإن تحريمة الإمام منتهية وتحريمة المسبوق غير منتهية ; لما ذكرنا فلم تفسد صلاة المسبوقين بخلاف ما نحن فيه .

وأما اللاحقون فإنه ينظر إن أدركوا الإمام في صلاته وصلوا معه فصلاتهم تامة وإن لم يدركوا ففيه روايتان في رواية أبي سليمان تفسد ، وفي رواية أبي حفص لا تفسد هذا إذا كان العارض في هذه الحالة فعلى المصلي فإذا لم يكن فعله كالمتيمم إذا وجد ماء بعدما قعد قدر التشهد الأخير أو بعد ما سلم وعليه سجود السهو وعاد إلى السجودفسدت صلاته عند أبي حنيفة ويلزمه الاستقبال ، وعند أبي يوسف ومحمد صلاته تامة وهذه من المسائل الاثني عشرية وقد ذكرناها وذكرنا الحجج في كتاب الطهارة في فصل التيمم أمي صلى بعض صلاته ثم تعلم سورة فقرأها فيما بقي من صلاته فصلاته فاسدة ، مثل الأخرس يزول خرسه في خلال الصلاة ، وكذلك لو كان قارئا في الابتداء فصلى بعض صلاته بقراءة ثم نسي القراءة فصار أميا فسدت صلاته وهذا قول أبي حنيفة ، وقال زفر : لا تفسد في الوجهين جميعا ، وقال أبو يوسف ومحمد : تفسد في الأول ولا تفسد في الثاني استحسانا .

وجه قول زفر أن فرض القراءة في الركعتين فقط ألا ترى أن القارئ لو ترك القراءة في الأوليين وقرأ في الأخريين أجزأه فإذا كان قارئا في الابتداء فقد أدى فرض القراءة في الأوليين فعجزه عنها بعد ذلك لا يضره كما لو ترك مع القدرة ، وإذا تعلم وقرأ في الأخريين فقد أدى فرض القراءة فلا يضره عجزه عنها في الابتداء كما لا يضره لو تركها .

وجه قولهما أنه لو استقبل الصلاة في الأول لحصل الأداء على الوجه الأكمل فأمر بالاستقبال .

ولو استقبلها في الثاني لأدى كل الصلاة بغير قراءة فكان البناء أولى ليكون مؤديا البعض بقراءة ، ولأبي حنيفة أن القراءة ركن فلا يسقط إلا بشرط العجز عنها في كل الصلاة فإذا قدر على القراءة في بعضها فات الشرط فظهر أن المؤدى لم يقع صلاة ; ولأن تحريمة الأمي لم تنعقد للقراءة بل انعقدت لأفعال صلاته لا غير ، فإذا قدر صارت القراءة من أركان صلاته فلا يصح أداؤها بلا تحريمة كأداء سائر الأركان والصلاة لا توجد بدون أركانها ففسدت ولأن الأساس الضعيف لا يحتمل بناء القوي عليه والصلاة بقراءة أقوى فلا يجوز بناؤها على الضعيف كالعاري إذا وجد الثوب في خلال صلاته والمتيمم إذا وجد الماء ، وإذا كان قارئا في الابتداء فقد عقد تحريمته لأداء كل الصلاة بقراءة وقد عجز عن الوفاء بما التزم فيلزمه الاستقبال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث