الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 308 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يصح صوم رمضان إلا بتعيين النية ، وهو أن ينوي أنه صائم من رمضان ، لأنه فريضة وهو قربة مضافة إلى وقتها فوجب تعيين الوقت في نيتها كصلاة الظهر والعصر ، وهل يفتقر إلى نية الفرض ؟ فيه وجهان ، قال أبو إسحاق : يلزمه أن ينوي صوم فرض رمضان ، لأن صوم رمضان قد يكون نفلا في حق الصبي فافتقر إلى نية الفرض ليتميز عن صوم الصبي ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : لا يفتقر إلى ذلك لأن رمضان في حق البالغ لا يكون إلا فرضا فلا يفتقر إلى تعيين الفرض فإن نوى في ليلة الثلاثين من شعبان فقال : إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو عن تطوع فكان من رمضان لم يصح لعلتين ( إحداهما ) أنه لم يخلص النية لرمضان ( والثانية ) أن الأصل أنه من شعبان فلا تصح نية رمضان [ ولأنه شاك في دخول وقت العبادة فلم تصح نيته كما لو شك في دخول وقت الصلاة ] ولو قال : إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان ، وإن لم يكن من رمضان فأنا صائم عن تطوع لم يصح لعلة واحدة ، وهو أن الأصل أنه من شعبان فلا تصح بنية الفرض ، فإن قال ليلة الثلاثين من رمضان : إن [ كان ] غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو الفطر ، فكان من رمضان لم يصح ; لأنه لم يخلص النية للصوم وإن قال : إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان ، وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر ، فكان من رمضان صح صومه ; لأنه أخلص النية للفرض وبنى على أصل ، لأن الأصل أنه من رمضان ) .

التالي السابق


( الثالثة ) قال أصحابنا : ينبغي أن تكون النية جازمة ، فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان فله حالان ( أحدهما ) أن لا يعتقد كونه من رمضان ، فإن ردد نيته فقال : أصوم غدا من رمضان إن كان منه وإلا فأنا مفطر أو متطوع ، لم يجزئه عن رمضان إذا بان منه ، لأنه صام شاكا ولم يكن على أصل يستصحبه ولا ظن يعتمده ، وقال المزني : يجزئه عن رمضان ، ولو قال : أصوم غدا عن رمضان أو تطوعا لم يجزئه بلا خلاف ، ولو لم يردد نيته بل جزم بالصوم عن رمضان لم يصح وإن صادف رمضان ، لما ذكره المصنف من أن الأصل عدم رمضان . ولأنه لم يعتقده من رمضان لم يتأت منه الجزم به ، وإنما يحصل حديث نفس لا اعتبار به ، [ ص: 311 ] وحكى إمام الحرمين وغيره وجها عن صاحب التقريب أنه يجزئه عن رمضان والصواب الأول ، وبه قطع الجمهور ، ( أما ) إذا كان في آخر رمضان فقال : ليلة الثلاثين منه أصوم غدا إن كان من رمضان أو أتطوع ، أو قال : أصوم أو أفطر وصادف رمضان فلا يجزئه ، لأنه لم يجزم ، وإن قال : أصوم غدا من رمضان إن كان منه ، وإلا فأنا مفطر ، فكان منه أجزأه ، لأن الأصل بقاء رمضان فأجزأه استصحابا للأصل .

( الحال الثاني ) أن يعتقد كونه من رمضان ، فإن لم يستند اعتقاده إلى ما يثير ظنا فلا اعتبار به ، وحكمه ما سبق في الحال الأول ، وإن استند إليه فقد قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : لو عقد رجل على أن غدا من رمضان في يوم الشك ثم بان أنه من رمضان أجزأه وهذا نصه : قال أصحابنا : إن استند إلى ما يحصل ظنا ، بأن اعتمد قول من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو صبيان ذوي رشد ، ونوى صوم رمضان فبان منه أجزأه بلا خلاف ، هكذا نقل الرافعي عن الأصحاب ، وصرح به البغوي والمتولي ، ولكن لم يذكر الصبيان ، وصرح به كله آخرون ، منهم إمام الحرمين في النهاية فصرح بالصبيان ذوي الرشد ، قال الجرجاني في التحرير : لو نوى الصوم برؤية من تسكن نفسه إليه من امرأة أو عبد أو فاسق أو مراهق وكان من رمضان أجزأه ، ولم يذكر فيه خلافا وممن صرح باعتماد الصبي المراهق وصحة الصوم بناء على قوله المحاملي في المجموع ، فإن قال في نيته والحالة هذه أصوم عن رمضان ، فإن لم يكن منه فهو تطوع .

قال إمام الحرمين وغيره : فظاهر النص أنه لا يصح ، وإن بان أنه من رمضان ، لأنه متردد ، قال الإمام : وذكر طوائف من الأصحاب وجها آخر أنه يصح لاستناده إلى أصل ، قال الإمام : وهذا موافق لمذهب المزني ، ورأى الإمام طرد الخلاف ، وإن جزم قال : لأنه لا يتصور الجزم والحالة هذه ; لأنه لا موجب له ، وإنما الحاصل له حديث نفس وإن [ ص: 312 ] سماه جزما ، قالوا : ويدخل في قسم استناد الاعتقاد إلى ما يثير ظنا الصوم مستندا إلى دلالة الحساب بمنازل القمر حيث جوزناه كما سبق ، قال أصحابنا : ومن ذلك إذا حكم الحاكم بثبوت رمضان بعدلين أو بعدل إذا جوزناه ، فيجب الصوم ويجزئ إذا بان من رمضان بلا خلاف ، ولا يضر ما قد يبقى من الارتياب في بعض الأوقات لحصول الاستناد إلى ظن معتمد ، قال أصحابنا : ومن ذلك الأسير والمحبوس في مطمورة إذا اشتبهت عليه الشهور وقد سبق بيانه مبسوطا ، والله تعالى أعلم . ولو قال ليلة الثلاثين من شعبان : أصوم غدا نفلا إن كان من شعبان ، وإلا فمن رمضان ، ولم يكن أمارة ولا غيرها فصادف شعبان صح صومه نفلا ، لأن الأصل بقاء شعبان ، صرح به المتولي وغيره ، وإن صادف رمضان فقد ذكرنا أنه لا يصح فرضا ولا نفلا ، والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث