الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب المعصية تبقى بعد الردة

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا ارتد صبي عاقل صح ) خلافا للثاني ، ولا خلاف في تخليده في النار لعدم العفو عن الكفر تلويح ( كإسلامه ) فإنه يصح اتفاقا ( فلا يرث أبويه الكافرين ) تفريع على الثاني ( ويجبر عليه ) بالضرب تفريع على الأول ( والعاقل المميز ) وهو ابن سبع فأكثر مجتبى وسراجية ( وقيل الذي يعقل أن الإسلام سبب النجاة ويميز الخبيث من الطيب والحلو من المر ) قائله الطرسوسي في أنفع الوسائل قائلا ولم أر من قدره بالسن . [ ص: 258 ] قلت : وقد رأيت نقله . ويؤيده " أنه عليه الصلاة والسلام { عرض الإسلام على علي رضي الله تعالى عنه وسنه سبع } " وكان يفتخر به ، حتى قال :

سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي     وسقتكم إلى الإسلام قهرا
بصارم همتي وسنان عزمي

ثم هل يقع فرضا قبل البلوغ ؟ ظاهر كلامهم نعم اتفاقا . وفي التحرير : المختار عند الماتريدي أنه مخاطب بأداء الإيمان كالبالغ ، [ ص: 259 ] حتى لو مات بعده بلا إيمان خلد في النار نهر وفي شرح الوهبانية : بدرويش درويشان كفر بعضهم     وصحح أن لا كفر وهو المحرر
كذا قول شي لله قيل بكفره     ويا حاضر يا ناظر ليس يكفر
ومن يستحل الرقص قالوا بكفره     ولا سيما بالدف يلهو ويزمر
[ ص: 260 ] ومن لولي قال طي مسافة     يجوز جهول ثم بعض يكفر
وإثباتها في كل ما كان خارقا     عن النسفي النجم يروى وينصر


التالي السابق


مطلب في ردة الصبي وإسلامه ( قوله وإذا ارتد صبي عاقل صح ) سواء كان إسلامه بنفسه أو تبعا لأبويه ثم ارتد قبل البلوغ ، فتحرم عليه امرأته ولا يبقى وارثا قهستاني ، ولكن لا يقتل كما مر لأن القتل عقوبة ، وهو ليس من أهلها في الدنيا ، ولكن لو قتله إنسان لم يغرم شيئا كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل ولا يغرم قاتلها كما في الفتح عن المبسوط ( قوله خلافا للثاني ) فلا تصح عنده لأنه ضرر محض . وفي التتارخانية عن الملتقى أن الإمام رجع إليه ، ومثله في الفتح ( قوله ولا خلاف في تخليده في النار ) فالخلاف إنما هو في أحكام الدنيا فقط بحر لأن العفو عن الكفر دخول الجنة مع الشرك خلاف حكم الشرع والعقل كما في الأصول قهستاني ( قوله كإسلامه ) فتترتب عليه أحكامه من عصمة النفس والمال وحل الذبح ونكاح المسلمة والإرث من المسلم قهستاني ( قوله فإنه يصح اتفاقا ) أي من أئمتنا الثلاثة ، وإلا فقد خالف في صحة إسلامه زفر والشافعي كما في الفتح . فإن قيل : هو غير مكلف . قلنا : إنما يلزم إذا قلنا بوجوبه عليه قبل البلوغ كما عن أبي منصور والمعتزلة وأنه يقع مسقطا للواجب لكنا إنما نختار أنه يصح ليترتب عليه الأحكام الدنيوية والأخروية فتح ( قوله ويجبر عليه بالضرب ) أي والحبس كما مر . قلت : والظاهر أن هذا بعد بلوغه ، لما مر أن الصبي ليس من أهل العقوبة ، ولما في كافي الحاكم : وإن ارتد الغلام المراهق عن الإسلام لم يقتل ، فإن أدرك كافرا حبس ولم يقتل ( قوله وقيل الذي يعقل إلخ ) قال في الفتح بين أي صاحب الهداية أن الكلام في الصبي الذي يعقل الإسلام زاد في المبسوط كونه بحيث يناظر ويفهم ويفحم . ا هـ . قلت : والظاهر أن ما ذكره المصنف بيان لقوله يعقل الإسلام ، ومعنى تمييزه المذكور أن يعرف أن الصدق .

[ ص: 258 ] مثلا حسن والكذب قبيح يلام فاعله ، وأن العسل حلو والصبر مر ; ومعنى كونه بحيث يناظر أن يقول إن المسلم في الجنة والكافر في النار ، وإذا قيل له لا ينبغي لك أن تخالف دين أبويك يقول نعم لو كان دينهما حقا أو نحو ذلك . ولا يخفى أن ابن سبع لا يعقل ذلك غالبا ، ويحتمل أن يكون المراد المناظرة ولو في أمر دنيوي ، كما لو اشترى شيئا ودفع إلى البائع الثمن وامتنع البائع من تسليم المبيع قائلا لا أسلمه إلا إلى أبيك لأنك قاصر فيقول له لم أخذت مني الثمن ; فإن لم تسلمني المبيع ادفع لي الثمن ، فهذا ونحوه يقع من ابن سبع غالبا ، وعليه يتحد القولان تأمل ( قوله وقد رأيت ) بفتح تاء المخاطب ( قوله وسنه سبع ) وقيل ثمان وهو الصحيح ، وأخرجه البخاري في تاريخه عن عروة ، وقيل عشر أخرجه الحاكم في المستدرك ، وقيل خمسة عشر وهو مردود وتمام ذلك مبسوط في الفتح وهو أول من أسلم من الصبيان الأحرار ، ومن الرجال الأحرار أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، وتمام تحقيق ذلك في الدر المنتقى ونقل عبارته المحشي ( قوله حتى قال إلخ ) ذكر في القاموس في مادة ودق .

قال المازني : لم يصح أن عليا رضي الله تعالى عنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين

تلكم قريش تمناني لتقتلني

إلخ وصوبه الزمخشري ا هـ ومقتضاه أن نسبة ما هنا إليه لم تصح ( قوله ظاهر كلامهم نعم اتفاقا ) فائدة وقوعه فرضا عدم فريضة تجديد إقرار آخر بعد البلوغ . قال في الفتح : ومقتضى الدليل أنه يجب عليه بعد البلوغ . ثم قال : لكنهم اتفقوا على أن لا يجب على الصبي بل يقع فرضا قبل البلوغ . أما عند فخر الإسلام فلأنه يثبت أصل الوجوب به على الصبي بالسبب وهو حدوث العالم وعقلية دلالته دون وجوب الأداء لأنه بالخطاب وهو غير مخاطب ، فإذا وجد بعد السبب وقع الفرض كتعجيل الزكاة . وأما عند شمس الأئمة لا وجوب أصلا لعدم حكمه ، وهو وجوب الأداء ، فإذا وجد وجد ، فصار كالمسافر يصلي الجمعة يسقط فرضه ، وليست الجمعة فرضا عليه ، لكن ذلك للترفيه عليه بعد سببها فإذا فعل تم ا هـ .

مطلب هل يجب على الصبي الإيمان ( قوله وفي التحرير إلخ ) هذا قول ثالث . وعبارة التحرير في الفصل الرابع : وعن أبي منصور الماتريدي وكثير من مشايخ العراق والمعتزلة إناطة وجوب الإيمان به أي بعقل الصبي وعقابه بتركه . ونفاه باقي الحنفية دراية لقوله عليه الصلاة والسلام " { رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل } " ورواية لعدم انفساخ نكاح المراهقة بعدم وصف الإيمان ا هـ موضحا من شرحه لابن أمير حاج . وقال في أول الفصل الثاني : وزاد أبو منصور إيجابه على الصبي العاقل ، ونقلوا عن أبي حنيفة : لو لم يبعث الله تعالى للناس رسولا لوجب عليهم معرفته بعقولهم . وقال البخاريون : لا تعلق لحكم الله تعالى بفعل المكلف قبل البعثة والتبليغ كالأشاعرة وهو المختار ، وحكموا بأن المراد من رواية : لا عذر لأحد في الجهل بخالقه ، لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه [ ص: 259 ] بعد البعثة ، وحينئذ فيجب حمل الوجوب في قول الإمام لوجب عليهم معرفته على معنى ينبغي ، وتمامه في شرحه المذكور ( قوله لو مات بعده ) أي بعد العقل .

مطلب في معنى درويش درويشان ( قوله كفر بعضهم ) لأن معناه جميع الأشياء مباحة فيدخل فيه ما لا تجوز إباحته فيكون مبيح الحرام وهو كفر وهذا باطل ، لأن معناه مسكنة المساكين أو فقر الفقراء فكأنه قال تمسكنا بمسكنة المساكين أو افتقرنا إليك بفقر الفقراء ولا دلالة فيه قط على ما ذكر ، كذا في البزازية ونازعه في [ نور العين ] بأن ما ذكره من المعنى هو معناه الوضعي أما العرفي الذي جرى عليه اصطلاح الملاحدة والقلندرية فهو أن جميع الأشياء مباحة لك . فالحق أن يكفر القائل إن كان من تلك الفئة ، أو أراد ما أرادوه ، أو لم يعلم معناه لكنه قاله تقليدا وتشبيها بهم أو يخشى عليه الكفر فيجدد وجوبا أو احتياطا إيمانه ، وإن قاله غير عالم ولا متأمل فهو مخطئ يلزمه أن يستغفر ، وغاية الأمر أن يرخص في التكلم بأمثال هذه المقالة ا هـ ملخصا ( قوله قيل بكفره ) لعل وجهه أنه طلب شيئا لله تعالى والله تعالى غني عن كل شيء والكل مفتقر ومحتاج إليه ، وينبغي أن يرجح عدم التكفير فإنه يمكن أن يقول أردت أطلب شيئا إكراما لله تعالى . ا هـ . شرح الوهبانية . قلت : فينبغي أو يجب التباعد عن هذه العبارة ، وقد مر أن ما فيه خلاف يؤمر بالتوبة والاستغفار وتجديد النكاح ، لكن هذا إن كان لا يدري ما يقول ، أما إن قصد المعنى الصحيح فالظاهر أنه لا بأس به ( قوله ليس يكفر ) فإن الحضور بمعنى العلم شائع - { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } - والنظر بمعنى الرؤية - { ألم يعلم بأن الله يرى } - فالمعنى يا عالم من يرى بزازية . مطلب في مستحل الرقص ( قوله ومن يستحل الرقص قالوا بكفره ) المراد به التمايل والخفض والرفع بحركات موزونة كما يفعله بعض من ينتسب إلى التصوف .

وقد نقل في البزازية عن القرطبي إجماع الأئمة على حرمة هذا الغناء وضرب القضيب والرقص . قال ورأيت فتوى شيخ الإسلام جلال الملة والدين الكرماني أن مستحل هذا الرقص كافر ، وتمامه في شرح الوهبانية . ونقل في نور العين عن التمهيد أنه فاسق لا كافر . ثم قال : التحقيق القاطع للنزاع في أمر الرقص والسماع يستدعي تفصيلا ذكره في عوارف المعارف وإحياء العلوم ، وخلاصته ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله : ما في التواجد إن حققت من حرج     ولا التمايل إن أخلصت من باس
فقمت تسعى على رجل وحق لمن     دعاه مولاه أن يسعى على الراس
الرخصة فيما ذكر من الأوضاع ، عند الذكر والسماع ، للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال ، [ ص: 260 ] السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال ، فهم لا يستمعون إلا من الإله ، ولا يشتاقون إلا له ، إن ذكروه ناحوا ، وإن شكروه باحوا ، وإن وجدوه صاحوا ، وإن شهدوه استراحوا ، وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا ، إذا غلب عليهم الوجد بغلباته ، وشربوا من موارد إرادته ، فمنهم من طرقته طوارق الهيبة فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وظاب ، ومنهم من طلع عليه الحب من مطلع القرب سكر وغاب ، هذا ما عن لي في الجواب ، والله تعالى أعلم بالصواب .


ومن يك وجده وجدا صحيحا     فلم يحتج إلى قول المغني
له من زانه طرب قديم     وسكر دائم من غير دن

. ا هـ .

مطلب في كرامات الأولياء ( قوله ومن لولي إلخ ) من مبتدأ وقال صلته وجهول خبره ولولي متعلق بيجوز وطي مبتدأ خبره يجوز ، وأصل التركيب : ومن قال طي مسافة يجوز لولي جهول ، وهذا قول الزعفراني ، والقائل بكفره هو ابن مقاتل ومحمد بن يوسف ط ( قوله وإثباتها إلخ ) قال في البزازية : وقد ذكر علماؤنا أن ما هو من المعجزات الكبار : كإحياء الموتى ، وقلب العصا حية وانشقاق القمر . وإشباع الجمع من الطعام ، وخروج الماء من بين الأصابع لا يمكن إجراؤه كرامة للولي ، وطي المسافة منه لقوله عليه الصلاة والسلام " { زويت لي الأرض } " فلو جاز لغيره لم يبق فائدة للتخصيص ، لكن في كلام القاضي أبي زيد ما يدل على أنه ليس بكفر . ا هـ . قلت : ويدل له ما قالوا فيمن كان بالمشرق وتزوج امرأة بالمغرب فأتت بولد يلحقه فتأمل . وفي التتارخانية أن هذه المسألة تؤيد الجواز . وقد قال العلامة التفتازاني بعد أن حكى عن أكثر المعتزلة المنع من وأن الأستاذ أبا إسحاق يميل إلى قريب من مذهبهم ، وحكى ما قدمناه ، وأن إمام الحرمين قال المرضي عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معرض الكرامات . ثم قال : نعم قد يرد في بعض المعجزات نص قاطع ، على أن أحدا لا يأتي بمثله أصلا كالقرآن ثم ذكر بقية الأقوال .

ثم قال : والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي حين سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء ، هل يجوز القول به فقال : نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة . قلت : النسفي هذا هو الإمام نجم الدين عمر مفتي الإنس والجن رأس الأولياء في عصره . ا هـ . من شرح الوهبانية ، وتمامه فيه والله سبحانه أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث