الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

المختار بن أبي عبيد الثقفي

الكذاب ، كان والده الأمير أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عنزة بن عوف بن ثقيف قد أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم نعلم له صحبة .

استعمله عمر بن الخطاب على جيش ، فغزا العراق ، وإليه تنسب [ ص: 539 ] وقعة جسر أبي عبيد .

ونشأ المختار ، فكان من كبراء ثقيف ، وذوي الرأي ، والفصاحة ، والشجاعة ، والدهاء ، وقلة الدين ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يكون في ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب هذا ، ادعى أن الوحي يأتيه ، وأنه يعلم الغيب ، وكان المبير الحجاج ، قبحهما الله .

قال أحمد في " مسنده " : حدثنا ابن عمير ، حدثنا عيسى بن عمر حدثنا السدي ، عن رفاعة الفتياني قال : دخلت على المختار ، فألقى لي وسادة ، وقال : لولا أن جبريل قام عن هذه ، لألقيتها لك ، فأردت أن أضرب عنقه ، فذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله ، فأنا من القاتل بريء .

وروى مجالد ، عن الشعبي قال : أقرأني الأحنف كتاب المختار إليه يزعم أنه نبي ، وكان المختار قد سار من الطائف بعد مصرع الحسين إلى مكة ، فأتى ابن الزبير ، وكان قد طرد لشره إلى الطائف ، فأظهر المناصحة ، [ ص: 540 ] وتردد إلى ابن الحنفية ، فكانوا يسمعون منه ما ينكر . فلما مات يزيد ، استأذن ابن الزبير في الرواح إلى العراق ، فركن إليه ، وأذن له .

وكتب إلى نائبه بالعراق عبد الله بن مطيع يوصيه به ، فكان يختلف إلى ابن مطيع ، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير ، ويثني على ابن الحنفية ، ويدعو إليه ، وأخذ يشغب على ابن مطيع ، ويمكر ويكذب ، فاستغوى جماعة ، والتفت عليه الشيعة ، فخافه ابن مطيع ، وفر من الكوفة ، وتمكن هو ، ودعا ابن الزبير إلى مبايعة محمد ابن الحنفية ، فأبى ، فحصره ، وضيق عليه ، وتوعده ، فتألمت الشيعة له ، ورد المختار إلى مكة .

ثم بعث معه ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة على خراج الكوفة ، فقدم المختار وقد هاجت الشيعة للطلب بالثأر ، وعليهم سليمان بن صرد ، فأخذ المختار يفسدهم ، ويقول : إني جئت من قبل المهدي ابن الوصي ، يريد ابن الحنفية ، فتبعه خلق ، وقال : إن سليمان لا يصنع شيئا ، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة ، ولا خبرة له بالحرب .

وخاف عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فذهب عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير وإبراهيم بن محمد إلى ابن صرد فقالا : إنكم أحب أهل بلدنا إلينا ، فلا تفجعونا بأنفسكم ، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم ، قفوا حتى نتهيأ . قال ابن صرد : قد خرجنا لأمر ولا نرانا إلا شاخصين .

فسار ، ومعه كل مستميت ، ومروا بقبر الحسين ، فبكوا ، وأقاموا يوما عنده وقالوا : يا رب قد خذلناه ، فاغفر لنا ، وتب علينا ، ثم نزلوا قرقيسيا ، فتم المصاف بعين الوردة ، وقتل ابن صرد وعامة التوابين ، ومرض عبيد الله بالجزيرة ، فاشتغل بذلك وبقتال أهلها عن العراق سنة وحاصر الموصل .

وأما المختار فسجن مدة ، ثم خرج ، فحاربه أهل الكوفة ، فقتل رفاعة بن شداد ، وعبد الله بن سعد ، وعدة . وغلب على الكوفة ، وهرب منه [ ص: 541 ] نائب ابن الزبير ، فقتل جماعة ممن قاتل الحسين ، وقتل الشمر بن ذي الجوشن ، وعمر بن سعد ، وقال : إن جبريل ينزل علي بالوحي ، واختلق كتابا عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة ، وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته ، فقتل صاحب الشرطة ، وسر به المختار ، وقوي ، وعسكروا بدير هند ، فحاربهم نائب ابن الزبير ، ثم ضعف واختفى ، وأخذ المختار في العدل ، وحسن السيرة .

وبعث إلى النائب بمال ، وقال : اهرب . ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف درهم ، فأنفق في جيشه ، وكتب إلى ابن الزبير : إني رأيت عاملك مداهنا لبني أمية ، فلم يسعني أن أقره ، فانخدع له ابن الزبير ، وكتب إليه بولاية الكوفة ، فجهز ابن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد في آخر سنة ست وستين ، ومعه كرسي على بغل أشهب .

وقال المختار : هذا فيه سر ، وهو آية لكم ، كما كان التابوت لبني إسرائيل . فحفوا به يدعون ، فتألم ابن الأشتر ، وقال : اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا سنة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل .

فعن طفيل بن جعدة بن هبيرة ، قال : كان لي جار زيات له كرسي ، فاحتجت فقلت للمختار : إني كنت أكتمك شيئا ، والآن أذكره .

قال : وما هو ؟ قلت : كرسي كان أبي يجلس عليه ، كان يرى أن فيه أثارة من علم . قال : سبحان الله ! لم أخرته ؟ فجيء به وعليه ستر ، فأمر لي باثني عشر ألفا ، ودعا بالصلاة جامعة ، فاجتمعوا ، فقال : إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن فيكم ، وقد كان في بني إسرائيل التابوت ، وإن فينا [ ص: 542 ] مثله . اكشفوا هذا ، فكشفوا الأثواب ، وقامت السبائية . فرفعوا أيديهم ، فأنكر شبث بن ربعي ، فضرب ، فلما انتصروا على عبيد الله افتتنوا بالكرسي ، وتغالوا فيه ، فقلت : إنا لله ، وندمت . فلما زاد كلام الناس ، غيب . وكان المختار يربطهم بالمحال والكذب ، ويتألفهم بقتل النواصب .

عن الشعبي قال : خرجت أنا وأبي مع المختار ، فقال لنا : أبشروا ، فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف بقرب نصيبين . فدخلنا المدائن ، فوالله إنه ليخطبنا ، إذ جاءته البشرى بالنصر ، فقال : ألم أبشركم بهذا ؟ قالوا : بلى ، فقال لي همداني : أتؤمن الآن ؟ قلت : بماذا ؟ قال : بأن المختار يعلم الغيب ، ألم يقل لنا : إنهم هزموا ؟ قلت : إنما زعم أن ذلك بنصيبين ، وإنما وقع ذلك بالخازر من الموصل . قال : والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم .

وقيل : كان رجل يقول : قد وضع لنا اليوم وحي ما سمع الناس بمثله فيه نبأ ما يكون .

وعن موسى بن عامر قال : إنما كان يضع لهم عبد الله بن نوف ، يقول : إن المختار أمرني به ، ويتبرأ من ذلك المختار ، فقال سراقة البارقي : [ ص: 543 ]

كفرت بوحيكم وجعلت نذرا علي هجاءكم حتى الممات     أري عيني ما لم ترأياه
كلانا عالم بالترهات



ووقع المصاف ، فقتل ابن زياد ، قده ابن الأشتر نصفين . وكان بطل النخع ، وفارس اليمانية فدخل الموصل ، واستولى على الجزيرة .

ثم وجه المختار أربعة آلاف فارس في نصر محمد ابن الحنفية ، فكلموا ابن الزبير ، وأخرجوه من الشعب ، وأقاموا في خدمته أشهرا ، حتى بلغهم قتل المختار ، فإن ابن الزبير علم مكره ، فندب لحربه أخاه مصعبا ، فقدم محمد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي إلى البصرة يستصرخان الناس على الكذاب ، ثم التقى مصعب وجيش المختار ، فقتل ابن الأشعث ، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب ، وانفل الكوفيون ، فحصرهم مصعب في دار الإمارة ، فكان المختار يبرز في فرسانه ، ويقاتل حتى قتله طريف الحنفي وأخوه طراف في رمضان سنة سبع وستين ، وأتيا برأسه مصعبا ، فوهبهما ثلاثين ألفا ، وقتل من الفريقين سبعمائة .

وقيل : كان المختار في عشرين ألفا . ثم إن مصعبا أساء ، فأمن بقصر الإمارة خلقا ، ثم قتلهم غدرا ، وذبحت عمرة بنت النعمان بن بشير صبرا ؛ لأنها شهدت أن زوجها المختار عبد صالح . وأقبل في نجدة مصعب المهلب بن أبي صفرة في الرجال والأموال ، ولما خذل المختار قال لصاحبه : ما من الموت بد ، وحبذا مصارع الكرام . وقل عليه القوت في الحصار والماء ، وجاعوا في القصر ، فبرز المختار للموت في تسعة عشر مقاتلا .

فقال المختار : أتؤمنوني ؟ قالوا : لا ، إلا على الحكم ، قال : لا أحكم في [ ص: 544 ] نفسي . وقاتل حتى قتل ، وأمكن أهل القصر من أنفسهم ، فبعث إليهم عباد بن حصين ، فكان يخرجهم مكتفين ، ويقتلهم . فقال رجل لمصعب بن الزبير : الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر ، وابتلاك أن تعفو ، وهما منزلتان إحداهما رضى الله والأخرى سخطه ، من عفا ، عفا الله عنه ، ومن قتل ، لم يأمن القصاص ، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ، لسنا تركا ولا ديلما ، قاتلنا إخواننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ، ثم اصطلحوا ، وقد ملكتم فأسجحوا ، فرق مصعب ، وهم أن يدعهم ، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وقال : اخترنا أو اخترهم ، وقال آخر : قتل أبي في خمسمائة من همدان وتخليهم ؟ ! . وسمرت كف المختار إلى جانب المسجد .

وروى إسحاق بن سعيد ، عن أبيه قال : جاء مصعب يزور ابن عمر ، فقال : أي عم اسألك عن قوم خلعوا الطاعة ، وقاتلوا حتى إذا غلبوا ، تحصنوا ، وطلبوا الأمان ، فأعطوا ، ثم قتلوا . قال : كم العدد ؟ قال : خمسة آلاف ، فسبح ابن عمر ، ثم قال : يا مصعب لو أن امرءا أتى ماشية الزبير ، فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة أكنت تعده مسرفا ؟ قال : نعم ، قال : فتراه إسرافا في البهائم . وقتلت من وحد الله . أما كان فيهم مكره أو جاهل ترجى توبته ، اصبب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك .

وقد كان المختار معظما لابن عمر ينفذ إليه بالأموال ، وكان ابن عمر تحته صفية أخت المختار .

ونشأ المختار بالمدينة يعرف بالميل إلى بني هاشم ، ثم سار إلى البصرة يظهر بها ذكر الحسين في أيام معاوية ، فأخبر به عبيد الله بن زياد ، فأمسك ، وضربه مائة ودرعه عباءة ، ونفاه إلى الطائف . فلما عاذ ابن الزبير بالبيت ، خرج إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث