الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا تقرر جواز مناكحهم ، فلهم إذا حدث بينهم إسلام حالتان :

أحدهما : أن يسلم الزوجان معا .

والحال الثانية : أن يسلم أحدهما .

فإن أسلم الزوجان معا ، فإن لم يكن للزوج أكثر من أربع زوجات بأن كان له أربع فما دون ، وأسلمن كلهن معه في حالة واحدة ، ثبت نكاحهن كلهن ، سواء كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول أو بعده ، وإن كان له خمس زوجات فما زاد ، وقد أسلم جميعهن بإسلامه ، كان له أن يختار من جملتهن أربعا سواء نكحهن جميعهن في الشرك في عقد واحد أو في عقود ، وسواء أمسك الأوائل أو الأواخر ، وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق ، وبمثل قولنا قال مالك ، ومحمد بن الحسن ، وأبو ثور ، إلا أن مالكا قال : لا ينفسخ نكاح البواقي بعد الأربع إلا بطلاق ، وهكذا لو نكح في الشرك أختين ثم أسلمتا معا ، أمسك أيتهما شاء ، وانفسخ نكاح الأخرى ، بغير طلاق عندنا وبطلاق عند مالك .

وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : لا اعتبار بخياره ، وإنما الاعتبار بعقده ، فإن تزوج في الشرك عشرا في عقد واحد ثم أسلمن معه بطل نكاح جميعهن ، فإن تزوجهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل ، وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر اعتبارا بنكاح المسلم ، وهكذا لو أنكح أختين أسلمتا معه نظر فإن كان قد نكحهما في عقد واحد بطل نكاحهما ، وإن كان في عقدين ثبت نكاح الأولى منهما ، وبطل نكاح الثانية .

وقال الأوزاعي : إن نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل ، وإن نكحهن في عقد واحد لم يبطل نكاحهن ، واختار منهن أربعا .

واستدل أبو حنيفة بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث [ ص: 257 ] معاذا إلى اليمن ، فقال له : ادعهم إلى الشهادة أن لا إله إلا الله ، فإن أجابوك أعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، ثم ثبت أن المسلم لو نكح خمسا في عقد بطل نكاحهن ، ولو نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل ، وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر ، كذلك نكاح المشرك إذا أسلم .

قال : ولأنه تحريم جمع فوجب أن لا يثبت فيه خيار قياسا على إسلام المرأة مع زوجين قال : ولأنه تحريم يستوي فيه الابتداء والاستدامة منه فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر : قياسا على تحريم ذوات المحارم .

قال : ولأنه عقد اشتمل على أكثر من أربع فوجب أن يكون باطلا : قياسا على عقد المسلم .

ودليلنا : ما رواه الشافعي في صدر الباب : أن غيلان بن سلمة أسلم وأسلم معه عشر نسوة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق سائرهن ، فأطلق له النبي صلى الله عليه وسلم إمساك أربع منهن ، ولم يسأله عن عقودهن ، فدل على أنه قد رد ذلك إلى اختياره فيهن ، بل قد روي أن غيلان بن سلمة قال : فكنت من أريدها أقول لها : أقبلي ، ومن لا أريدها أقول لها : أدبري ، وهي تقول : بالرحم بالرحم ، وهذا نص صريح في تمسكه بمن اختار لا بمن تقدم .

وروي عن نوفل بن معاوية أنه قال : أسلمت وعندي خمس نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : أمسك أربعا وفارق واحدة قال : فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها ، فدل على جواز إمساك الأواخر دون الأوائل .

وروى الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال : أسلمت وتحتي أختان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك أيتهما شئت ، وفارق الأخرى ، وهذا نص في التخيير .

وروي أن رجلا من بني أسد أسلم وتحته ثماني نسوة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اختر منهن أربعا قال : فاخترت منهن أربعا ، وكل هذه الأخبار نصوص في التخيير .

ومن طريق القياس : أن كل امرأة حل له ابتداء العقد عليها في الإسلام حل له المقام عليها في الإسلام بالعقد الناجز في الشرك قياسا على النكاح بعد شهود .

وقولنا بعقد ناجز : احترازا من نكاحها في الشرك بخيار مؤبد : ولأنه عدد يجوز له ابتداء العقد عليهن ، فجاز له إمساكهن كالأوائل .

[ ص: 258 ] ومن الاستدلال أنه لو تزوج في الشرك أختين واحدة بعد الأخرى ، ثم ماتت الأولى وأسلمت معه الثانية ، جاز له استبدالها ، فكذلك إذا كانت الأولى باقية : ولأنه لما جاز أن يستديم المقام في الإسلام على عقد نكاح في الشرك لا يجوز أن يبتدئ مثله في الإسلام وهو يكون قد نكحها بغير شهود ، جاز مثله في جمع العدد وفي الأواخر .

فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر : فمن يقول بموجبه إننا نحرم عليه الزيادة على أربع كالذي لم يزل مسلما .

فأما قياسهم على المرأة إذا أسلمت مع زوجين تعليلا بأنه تحريم جمع ، فالتعليل غير مسلم : لأنه لم يحرم على المرأة الزوج الثاني بعد الأول لأجل الجمع ، ولكن لأن الأول قد ملك بضعها فصارت عاقدة مع الثاني على ما قد ملكه الأول عليها ، فجرى مجرى من باع ملكا ثم باعه من آخر ، بطل البيع الثاني لأجل الجمع ، ولكن يعقده على ما قد خرج عن ملكه ، كذلك نكاح الزوج الثاني . وخالف نكاح الخامسة : لأنها غير مملوكة البضع كالرابعة .

وأما قياسهم على ذوات المحارم ، فالمعنى فيهن : أنه لما حرم ابتداء العقد عليهن حرم استدامة نكاحهن ، وليس كذلك الأواخر .

وأما قياسهم على المسلم ، فالمعنى فيه أن عقود المسلم أضيق حكما وأغلظ شرطا من عقود المشرك ، ألا تراه لو نكح في عدة أو بغير شهود بطل ، ولو أسلم المشرك عليه أقر ، كذلك الأواخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث