الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيه حصل له رعاف فخرج له وغسل الدم ورجع إلى الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( كظنه فخرج فظهر نفيه )

ش : يعني أن من ظن أنه حصل له رعاف في الصلاة فخرج ليغسله فتبين أنه ليس برعاف وإنما هو ماء فإنه لا يبني على ما مضى من صلاته لأنها بطلت بل يبتدئها وهذا هو المشهور ومذهب المدونة قال في أواخر كتاب الصلاة الأول من المدونة : ومن انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه ثم تبين له أنه لا شيء به ابتدأ وإذا تعمد الإمام قطع صلاته أفسد على من خلفه انتهى ، وقال اللخمي في تبصرته اختلف فيمن ظن أنه رعف أو أحدث فخرج ثم تبين أنه لم يصبه ذلك هل يبني ؟ وإن كان إماما هل تفسد صلاتهم فقال مالك يبتدئ ولا يبني وظاهر قول ابن القاسم أنه إذا كان إماما لا تفسد عليهم لأنه لم يتعمد ، قال ابن سحنون في المجموعة لأنه خرج بما يجوز له ويبتدئ الصلاة خلف الذي استخلفه وقال في كتاب ابنه : إن بنى أبطل عليهم لأنه لا يستطيع أن يعلم ما خرج منه قبل أن يخرج من المحراب إلا أن يكون في ليل مظلم وقال ابن عبد الحكم يبني ولا يبطل على من خلفه بمنزلة من ظن أنه سلم فخرج ثم عاد فسلم وهو أقيس لحديث ذي اليدين [ ص: 494 ] أنه خرج صلى الله عليه وسلم وهو يظن أنه قد أتم وتكلم ثم بنى انتهى . فحكى في القطع والبناء قولين لمالك وابن عبد الحكم وذكر المصنف مسألة الانصراف للحدث في فصل السهو وعزا الشارح في الكبير والوسط الفرعين هنا وفي باب السهو لصاحب الطراز وذكر عنه أنه عزا القول بالبناء في الفرعين لسحنون وتبع الشارح - رحمه الله تعالى - في ذلك صاحب الذخيرة فإنه عزا القول بالبناء لسحنون ونقله عنه صاحب الطراز ووقع ذلك في كتاب الطهارة من الطراز عزوه لسحنون وأحال على ما في كتاب الصلاة ولم يعزه في كتاب الصلاة إلا لابن عبد الحكم فلعله نقله عن سحنون أيضا أو وقع منه في الطهارة سهو وعلى ذلك جرى الشارح في الشامل .

وأما في الشرح الصغير فلم يذكر القول بالبناء ولم يعز الفرع لأحد وتحصل من كلام اللخمي في بطلان صلاة المأمومين قولان : أحدهما أنها لا تبطل عليهم ويستخلف أو يستخلفون من يتم بهم ، والثاني أنها تبطل إلا أن يكونوا في ليل مظلم ، وفي المسألة قول ثالث أنها تبطل مطلقا حكاه القاضي في التنبيهات ونصه وأكثر الشارحين والمختصرين على أنه إن كان إماما فإنه أفسد على من خلفه بدليل قوله بعده وهو قول مالك عندنا في الإمام إذا قطع صلاته متعمدا أفسد على من خلفه وحملها اللخمي على أنها لا تفسد لأنه لم يتعمد ، واحتج بنفس اللفظ ، والأول أظهر انتهى . وقال ابن عرفة وفي بطلان صلاة من خرج منها لرعاف أو حدث ظنه فبان كذبه للمشهور واللخمي مع ابن عبد الحكم وعلى الأول لو كان إماما في صحة صلاة مأموميه ، ثالثها إن كان بحيث لا يمكنه علم كذي ظلمة الأول وهو القول بالصحة مطلقا للباجي مع الشيخ عن سحنون واللخمي عن ابن القاسم وابن حارث عن ابن عبدوس ويحيى بن عمر مستدلا بقول أشهب لا يبطلها ضحك عمدا والثاني وهو القول بالبطلان مطلقا للمدونة مع ابن حارث عن سحنون والباجي عن مقتضى قول ابن القاسم

والثالث وهو التفصيل للصقلي مع اللخمي عن سحنون انتهى بلفظه إلا عزو الأقوال ففصلته لأجل البيان فيكون لسحنون ثلاثة أقوال وعزا الثاني للمدونة بناء على ما نقله ابن يونس فإنه جعله متصلا بالمسألة الأولى ونصه قال : ومن انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه ثم تبين أنه لا شيء به ابتدأ الصلاة ولو كان إماما أفسد على من خلفه ابن القاسم ومن قول مالك إن الإمام إذا قطع صلاته متعمدا أفسد على من خلفه ثم ذكر قول سحنون بالتفصيل ويؤيد كلام ابن يونس ما نقله عياض عن أكثر الشارحين والله أعلم واقتصر صاحب الطراز على القولين اللذين حكاهما اللخمي وذكر ابن ناجي الثلاثة الأقوال وقال : إن قول اللخمي أظهر مما نقله عياض عن أكثر الشارحين لأنه لا فرق بين كون الإمام ظن وبين كونه تعمد لكن نقل ابن يونس عن المدونة أنه لو كان إماما أفسد انتهى بالمعنى قلت فظهر أن القول ببطلان صلاة المأمومين أرجح لكونه مذهب المدونة وقال صاحب الجمع : إنه الصحيح ونقل عبد الحق في التهذيب في كتاب الصلاة الأول عن سحنون عن ابن القاسم أن صلاة الإمام وصلاة من خلفه باطلة ، ثم قال : ومعناه إن كان يستطيع أن يعلم ما خرج منه إلخ واقتصر على هذا فجعل الثالث تفسيرا والله أعلم .

( تنبيه ) قال ابن بشير : من ظن بطلان صلاته بتماديه برعاف أو حدث فانصرف ثم تبين له بطلان ظنه فأما في الرعاف إذا لم يتكلم ولم يمش على نجاسة فإنه ينتظر فإن كان بحيث يمكن صحة ما ظنه قبل انصرافه فانصرف قبل التمييز بطلت صلاته بلا خلاف وإن كان بحيث لا يمكنه التمييز لأنه في ليل مظلم واجتهد فأخطأ ففي بنائه قولان : أحدهما أنه لا يبني وهو المشهور ، والشاذ أنه يبني وهما على ما قدمنا في المجتهد يخطئ هل يعذر باجتهاده أم لا وأما [ ص: 495 ] في الحدث فإن لم يطل فعله بعد الظن كان كالرعاف وإن طال فعله أو تكلم عامدا بطلت صلاته لأن هذا انصرف على أن صلاته باطلة والراعف انصرف على أنه يغسل الدم ثم يبني انتهى قلت الظاهر في الحدث البطلان مطلقا ولا يظهر للقول بالبناء ، وجه مطلقا لأن المحدث خرج على اعتقاد البطلان ولا يشبه من ظن أنه سلم لأنه خرج على اعتقاد تمام صلاته وصحتها ، نعم إنما يتأتى القول بالبناء على من يجيز البناء في الحدث ، وهو قول أبي حنيفة كما تقدم والله أعلم .

( فرع ) قال ابن يونس في فصل الرعاف : قال سحنون : ومن خرج من الصلاة لرعاف ثم شك في الوضوء وهو يغسل الدم فرفع الشك باليقين فابتدأ الوضوء فلما توضأ ذكر أنه على وضوء فقد بطلت صلاته انتفى ابن يونس كمن ظن أنه أصابه رعاف وهو في الصلاة فخرج يغسله فإذا هو ماء فقد أبطل صلاته قال ولو ذكر أنه متوضئ حين هم بالوضوء قبل أن يعمل شيئا بنى على صلاته انتهى قلت إذا عزم على رفض الصلاة وهم بالوضوء فالظاهر بطلان الصلاة نعم إن تفكر قليلا لما حصل له الشك ثم ذكر أنه متوضئ فهذا يبني على صلاته والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث