الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " فإن طلق مريض ثلاثا فلم يصح حتى مات فاختلف أصحابنا قال المزني فذكر حكم عثمان بتوريثها من عبد الرحمن في مرضه وقول ابن الزبير لو كنت أنا لم أر أن ترث المبتوتة . قال المزني وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب العدة إن القول بأن لا ترث المبتوتة قول يصح وقد ذهب إليه بعض أهل الآثار وقال كيف ترثه امرأة لا يرثها وليست له بزوجة قال المزني فقلت أنا هذا أصح وأقيس لقوله قال المزني وقال في كتاب النكاح والطلاق إملاء على مسائل مالك إن مذهب ابن الزبير أصحهما وقال فيه " .

قال الماوردي : اعلم أن الطلاق في قطع التوارث بين الزوجين ينقسم ثلاثة أقسام ، قسم يقطع التوارث بينهما وهو الطلاق البائن في الصحة أو في مرض غير مخوف ، والبائن طلاق غير المدخول بها ، وطلاق الثلاث ، والطلاق في الخلع ، فلا يرثها ولا ترثه ، سواء كان الموت في العدة أو بعدها : لارتفاع النكاح بينهما ، وهذا إجماع .

وقسم لا يقطع التوارث بينهما وهو الطلاق الرجعي ، سواء كان في الصحة أو في المرض يتوارثان فيه ما لم تنقض العدة ، فإن مات ورثته وإن ماتت ورثها ، فإذا انقضت [ ص: 264 ] العدة فلا توارث بينهما .

وقسم مختلف فيه وهو الطلاق البائن في المرض المخوف إذا اتصل بالموت ، فإن ماتت لم يرثها إجماعا وإن مات فقد اختلف الفقهاء في ميراثها منه ، واختلف قول الشافعي فيه على قولين نص عليهما في الرجعة والعدد والإملاء على مسائل مالك ، وليس له في القديم فيها نص ، أحد القولين أنها ترثه وبه قال من الصحابة : عمر وعثمان وعلي ، ومن الفقهاء مالك وربيعة والليث بن سعد والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل .

والقول الثاني : أنها لا ترث وبه قال : عبد الله بن الزبير ، وربما أضيف إلى عبد الرحمن بن عوف وقول ابن أبي مليكة وكثير من أهل الآثار .

وبه قال المزني وداود ، فإذا قيل بالأول : أنها ترث فدليله معنى الإجماع المنقول عن الصحابة .

وهو ما روي عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه أنه قال في المبتوتة في المرض ترث وروي أن عبد الرحمن بن عوف طلق تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرضه فورثها منه عثمان بن عفان رضي الله عنه قيل بمشاورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقيل إنها صولحت على ربع ثمنها لأنهن كن أربعا على ثمانين ألف درهم وقيل ثمانين ألف دينار .

وروى محمد بن إبراهيم التميمي أن عبد الرحمن بن عوف طلق زوجته وكان به الفالج فمات بعد سنة فورثها منه عثمان .

وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حوصر طلق واحدة من نسائه فورثها منه علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقال : طلقها في شرف الموت ، وليس يعرف لهذه القضايا في الصحابة مخالف إلا قول ابن الزبير : لو كنت أنا لم أر أن ترث مبتوتة ، فقيل معناه ، لم يبلغ اجتهادي أن ترث مبتوتة ، كما يقول القائل لو كنت أنا لم أهتد إلى هذا ، فكان هذا من ذكرنا مع عدم المخالف فيه إجماعا حاجا ، ولأنها بانت في حال يعتبر عطاياه فيها من الثلث ، فوجب أن ترثه كالبائن بالموت ، ولأنه متهوم في منعها من الإرث فأشبه القاتل المتهوم في اختلاف الإرث فكانت التهمة بالقتل مانعة من الميراث وجب أن تكون التهمة بالطلاق مانعة من إسقاط الميراث ، ولأن بالمرض قد تعلقت حقوق الورثة بين ماله ، بدليل أنه ممنوع من العطايا فيما زاد على ثلثه كالوصايا بعد الموت .

فاقتضى أن يكون ممنوعا من إسقاط حقوقهم من ميراثهم لتعلقها بتركته . [ ص: 265 ] وإذا قيل بالثاني : وأنها لا ترث وهو أقيس القولين وأولاهما فدليله : ما رواه أبو سعيد المكي في خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ترث المبتوتة وهذا إذا صح نص لا يسوغ خلافه ، ولأنها فرقة تقطع إرثه منها فوجب أن تقطع إرثها منه ، أصله الفرقة في الصحة ، ولأنه إرث ينقطع بالفرقة في حال الصحة فوجب أن ينقطع بالفرقة في حال المرض ، أصله إرث الزوج ، ولأن للنكاح أحكاما من طلاق وظهار وإيلاء وتحريم للجمع بينها وبين أختها وخالتها وعمتها وثبوت الميراث وعدة الوفاة ، فلما انتفى عن هذه المبتوتة في حال المرض أحكام النكاح من غير الميراث ، انتفى عنها أحكام النكاح في الميراث .

وتحريره قياسا : أنه حكم يختص بالنكاح فوجب أن ينتفي عن المبتوتة في المرض كسائر الأحكام ولأن فسخ النكاح في المرض سبب من جهتها كالردة والرضاع يمنع ميراثه منها ، وإن توجهت التهمة إليهما جميعا بين وجوده في الصحة والمرض ، وجب أن يكون وجود الفرقة من جهته يمنع ميراثها منه تسوية بين الصحة والمرض .

فأما الجواب عن استدلالهم بالإجماع : فهو أن الخلاف فيها حاصل وهو قول عبد الله بن الزبير : لو كنت أنا لم أر أن ترث مبتوتة ، وهو صحابي من أهل الاجتهاد لا سيما في أيام عثمان رضي الله عنه ، وروي أن عبد الرحمن بن عوف قال : والله لا أورث تماضر ، ثم طلقها في مرضه فقيل له أفررت من كتاب الله . قال : ما فررت من كتاب الله إن كان لها فيه ميراث فأعطوها فصالحها عثمان من ربع الثمن على ثمانين ألفا . ولو كانت وارثة فصولحت ، فخرج أن يكون فيه إجماعا .

ولكن لاحتمال الأمر عند عثمان تقدم بمصالحتها .

وجواب ثان وهو أن أبا سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى عن أبيه أنه قال : لا تسألني امرأة من نسائي الطلاق إلا طلقتها فغضبت تماضر وسألت الطلاق ، فغضب عبد الرحمن وطلقها . وتماضر هي أم أبي سلمة وهو أعرف بحالها ، وقد روي أنها سألت الطلاق ، وأبو حنيفة لا يورثها إذا سألت طلاقها ، فلم يكن له فيه دليل لو كان إجماعا ، ولأن أبا سلمة روي أنه مات بعد انقضاء عدتها ، وأن موته كان بعد تسعة أشهر من طلاقها ، وعند أبي حنيفة أنها لا ترث بعد انقضاء عدتها ، فخرج أن يكون له فيه دليل .

فإن قيل : فقد روى عروة بن الزبير أنه مات وهي في العدة ، وروى ابن أبي مليكة أنه مات في عدتها بعد حيضتين ، قيل : أبو سلمة أعرف بحالها : لأنه ابنها من غيره من الأجانب ، ولأن نقله أزيد فكان الأخذ به أحق . [ ص: 266 ] وأما قياسهم على الفرقة بالموت ، فالمعنى فيها أنها لا تمنع ميراثها منه .

وأما استدلالهم بالقتل فهو استدلال العلتين : لأن القتل يمنع من ميراث كان مستحقا وهم جعلوا طلاق المرض يثبت ميراثا كان ساقطا ، وليس لاعتبار التهمة فيه وجه فإن التهمة لو وجدت في الفرقة التي من جهتها لم ترث فكذلك في الفرقة من جهته .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن حقوق الورثة قد تعلقت بعين ماله فغير مسلم : لأنه لو أنفقه في شهواته وملاذه ولم يمنعه ولو سلم لهم لتعلق به حق من كان وارثا عند موته وليست هذه وارثة عند الموت فلم يصح الاستدلال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث