الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 49 ] 54- فتوبوا إلى بارئكم أي خالقكم.

فاقتلوا أنفسكم أي ليقتل بعضكم بعضا; على ما بينت في كتاب "المشكل" .

وقوله: فتاب عليكم أي ففعلتم فتاب عليكم. مختصر .

55- نرى الله جهرة أي علانية ظاهرا، لا في نوم ولا في غيره.

فأخذتكم الصاعقة أي الموت. يدلك على ذلك قوله: ثم بعثناكم من بعد موتكم . والصاعقة تتصرف على وجوه قد ذكرتها في كتاب "المشكل" .

57- الغمام السحاب. سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها وكل شيء غطيته فقد غممته. ويقال: جاءنا بإناء مغموم. أي مغطى الرأس.

وقيل له: سحاب بمسيره، لأنه كأنه ينسحب إذا سار .

المن يقال: هو الطرنجبين . [ ص: 50 ] والسلوى طائر يشبه السمانى لا واحد له.

وما ظلمونا أي ما نقصونا.

ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي ينقصون.

والظلم يتصرف على وجوه قد بينتها في كتاب "المشكل" .

58- وقوله: وقولوا حطة رفع على الحكاية. وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار، من حططت. أي حط عنا ذنوبنا.

59- فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم أي قيل لهم: قولوا: حطة فقالوا: حطا سمقاتا، يعني حنطة حمراء. .

و (الرجز العذاب.

60- ولا تعثوا من عثي. ويقال أيضا من عثا، وفيه لغة أخرى عاث يعيث. وهو أشد الفساد.

وكان بعض الرواة ينشد بيت ابن الرقاع:


لولا الحياء وأن رأسي قد عنا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم



وينكر على من يرويه: "عسا". وقال: كيف يعسو الشيب وهو [ ص: 51 ] إلى أن يرق في كبر الرجل ويلين، أقرب منه إلى أن يغلظ ويعسو أو يصلب؟ واحتج بقول الآخر:

*

وأنبتت هامته المرعزى

*

يريد أنه لما شاخ رق شعره ولان، فكأنه مرعزى [والمرعزى: نبت أبيض] .

61- ( والفوم ) فيه أقاويل: يقال: هو الحنطة، والخبز جميعا. قال الفراء هي لغة قديمة يقول أهلها: فوموا، أي: اختبزوا. ويقال: الفوم الحبوب.

ويقال: هو الثوم. والعرب تبدل الثاء بالفاء فيقولون جدث وجدف. والمغاثير والمغافير . وهذا أعجب الأقاويل إلي; لأنها في مصحف عبد الله: "وثومها" .

وباءوا بغضب أي رجعوا. يقال: بؤت بكذا فأنا أبوء به. ولا يقال: باء بالشيء.

62- " الذين هادوا " هم: اليهود.

والصابئين قال قتادة هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون [إلى] القبلة، ويقرءون الزبور. [ ص: 52 ] وأصل الحرف من صبأت: إذا خرجت من شيء إلى شيء ومن دين إلى دين. ولذلك كانت قريش تقول في الرجل إذا أسلم واتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله -: قد صبأ فلان - بالهمز - أي خرج عن ديننا إلى دينه.

* * *

63- و الطور الجبل. ورفعه فوقهم مبين في سورة الأعراف.

65- اعتدوا منكم في السبت أي ظلموا وتعدوا ما أمروا به من ترك الصيد في يوم السبت.

فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين أي: مبعدين . يقال: خسأت فلانا عني وخسأت الكلب. أي: باعدته. ومنه يقال للكلب: اخسأ، أي: تباعد.

* * *

66- فجعلناها نكالا أي: قرية أصحاب السبت. نكالا أي عبرة لما بين يديها من القرى، وما خلفها ليتعظوا بها.

ويقال: لما بين يديها من ذنوبهم وما خلفها: من صيدهم الحيتان في السبت. وهو قول قتادة . والأول أعجب إلي.

68- لا فارض أي: لا مسنة. يقال: فرضت البقرة فهي فارض، إذا أسنت. قال الشاعر: [ ص: 53 ]

يا رب ذي ضغن وضب فارض ...     له قروء كقروء الحائض



أي ضغن قديم.

ولا بكر أي ولا صغيرة لم تلد، ولكنها عوان بين تينك. ومنه يقال في المثل: "العوان: لا تعلم الخمرة" . يراد أنها ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تختمر.

69- صفراء فاقع لونها أي ناصع صاف.

وقد ذهب قوم إلى أن الصفراء: السوداء . وهذا غلط في نعوت البقر. وإنما يكون ذلك في نعوت الإبل. يقال: بعير أصفر، أي أسود. وذلك أن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة. قال الشاعر:


تلك خيلي منه وتلك ركابي ...     هن صفر أولادها كالزبيب



أي سود. [ ص: 54 ] ومما يدلك على أنه أراد الصفرة بعينها - قوله فاقع لونها والعرب لا تقول: أسود فاقع - فيما أعلم - إنما تقول: أسود حالك، وأحمر قاني، وأصفر فاقع .

* * *

71- لا ذلول يقال في الدواب: دابة ذلول بينة الذل - بكسر الذال وفي الناس: رجل ذليل بين الذل. بضم الذال.

تثير الأرض أي تقلبها للزراعة. ويقال للبقرة: المثيرة.

ولا تسقي الحرث أي لا يسنى عليها فيستقى بها الماء لسقي الزرع .

مسلمة من العمل.

لا شية فيها أي: لا لون فيها يخالف معظم لونها - كالقرحة، والرثمة، والتحجيل وأشباه ذلك.

والشية: مأخوذة من وشيت الثوب فأنا أشيه وشيا. وهي من المنقوص. أصلها وشية. مثل زنة، وعدة.

* * *

72- فادارأتم فيها اختلفتم. والأصل: تدارأتم. فأدغمت التاء في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون للدال الأولى. يقال: كان بينهم [ ص: 55 ] تدارؤ في كذا. أي اختلاف. ومنه قول القائل في رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان شريكي فكان خير شريك: لا يماري ولا يداري" أي لا يخالف.

* * *

73- فقلنا اضربوه ببعضها أي اضربوا القتيل ببعض البقرة. قال بعض المفسرين: فضربوه بالذنب. وقال بعضهم: بالفخذ فحيي.

74- ثم قست قلوبكم أي: اشتدت وصلبت.

78- ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني أي لا يعلمون الكتاب إلا أن يحدثهم كبراؤهم بشيء، فيقبلونه ويظنون أنه الحق وهو كذب. ومنه قول عثمان - رضي الله عنه -: "ما تغنيت ولا تمنيت" أي: ما اختلقت الباطل.

وتكون الأماني التلاوة. قال الله عز وجل: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان [في أمنيته يريد إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته] . [ ص: 56 ] يقول: فهم لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به، وليسوا كمن يتلوه حق تلاوته: فيحل حلاله ويحرم حرامه، ولا يحرفه عن مواضعه.

* * *

79- فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله أي يزيدون في كتب الله ما ليس منها; لينالوا بذلك غرضا حقيرا من الدنيا.

* * *

80- وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قالوا: إنما نعذب أربعين يوما قدر ما عبد أصحابنا العجل.

قل أتخذتم عند الله عهدا أي أتخذتم بذلك من الله وعدا؟

* * *

83- وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله أي أمرناهم بذلك فقبلوه; وهو أخذ الميثاق عليهم.

وبالوالدين إحسانا أي وصيناهم بالوالدين إحسانا. مختصر كما قال: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا أي: ووصى بالوالدين .

* * *

84- وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم أي لا يسفك بعضكم دم بعض.

ولا تخرجون أنفسكم من دياركم أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره ويغلبه عليها. [ ص: 57 ] ثم أقررتم أي ثم قبلتم ذلك وأقررتم به.

وأنتم تشهدون على ذلك.

* * *

85- ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وقد بينت معنى هذه الآية في المشكل .

تظاهرون تعاونون. والتظاهر: التعاون. ومنه قوله: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه أي تعاونا عليه. والله ظهير أي: عون.

وأصل التظاهر من الظهر. فكأن التظاهر: أن يجعل كل واحد من الرجلين أو من القوم الآخر له ظهرا يتقوى به ويستند إليه.

* * *

87 - وقفينا من بعده بالرسل أي: أتبعناه بهم وأردفناه إياهم وهو من القفا مأخوذ. ومنه يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره.

* * *

88- قلوبنا غلف جمع أغلف. أي كأنها في غلاف لا تفهم عنك ولا تعقل شيئا مما تقول. وهو مثل قوله: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يقال: غلفت السيف: إذا جعلته في غلاف، فهو سيف أغلف. ومنه قيل لمن لم يختن: أغلف. [ ص: 58 ] ومن قرأه (غلف مثقل. أراد جمع غلاف. أي هي أوعية للعلم .

* * *

89- وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا يقول: كانت اليهود إذا قاتلت أهل الشرك استفتحوا عليهم; أي استنصروا الله عليهم. فقالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث إلينا. فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه كفروا به. والاستفتاح: الاستنصار.

* * *

93- وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أي: حب العجل.

96- ولتجدنهم أحرص الناس على حياة يعني اليهود.

ومن الذين أشركوا يعني المجوس. وشركهم: أنهم قالوا بإلهين: النور والظلمة.

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة أراد معنى قولهم لملوكهم في تحيتهم: "عش ألف سنة وألف نوروز" .

وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر أي: بمباعده من العذاب طول عمره; لأن عمره ينقضي وإن طال; ويصير إلى عذاب الله. [ ص: 59 ]

97- قل من كان عدوا لجبريل من اليهود . وكانوا قالوا: لا نتبع محمدا وجبريل يأتيه; لأنه يأتي بالعذاب.

فإنه نزله يعني: فإن جبريل نزل القرآن على قلبك

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث