الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يجزئ من الرقاب وما لا يجزئ

فصل : فأما العتق عن الميت فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون عن وصية منه، فيصح، سواء كان تطوعا أو واجبا ؛ لأن وصيته به تقوم مقام مباشرته له ، ولو باشر عتق التطوع صح، فكذلك إذا أوصى به يجب أن يصح .

والضرب الثاني : أن يكون عن غير وصية فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون العتق تطوعا فلا يصح عنه بغير وصية سواء كان العتق من وارث أو غير وارث، ووقع العتق عن المالك المعتق دون الميت المعتق عنه .

والضرب الثاني : أن يكون العتق واجبا فعلى ضربين :

أحدهما : أن يجب وجوبا لا تخيير فيه كالعتق في كفارة القتل والظهار، فيصح عن الميت بوصية من رأس ماله وبغير وصيته من أصل تركته، ويجوز أن يتطوع به عنه وارث أو غير وارث بأمره وبغير أمره ، ولأنه من لوازم الأموال فأشبه قضاء الدين ويكون الولاء فيه للميت المعتق عنه ينتقل بعد موته إلى الأقرب من عصبته .

والضرب الثاني : أن يكون في العتق الواجب تخيير ؛ مثل كفارة اليمين التي هو مخير فيها بين العتق والإطعام والكسوة، فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون من مال الميت، فينظر فيه ؛ فإن كان أقل الثلاثة قيمة صح، وإن كان أكثرها قيمة لم يصح ؛ لأنه يصير بنقصانه واجبا وزيادته تطوعا .

والضرب الثاني : أن يكون من مال المعتق ففي جوازه عنه وجهان :

[ ص: 484 ] أحدهما : لا يجزئ عنه ويكون واقعا عن المعتق دون الميت كما لا يجوز أن يعتق عنه من ماله .

والوجه الثاني : يجزئ عن الميت ويكون له الولاء وينتقل عنه إلى أقرب عصبته ؛ لأنه عتق واجب ، وإن وقع فيه تخيير لسقوط الواجب به فأشبه ما لا تخيير فيه .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو أعتق عبدين عن ظهارين أو ظهار وقتل، كل واحد منهما عن الكفارتين أجزأه لأنه أعتق عن كل واحدة عبدا تاما ؛ نصفا عن واحدة ونصفا عن واحدة، ثم أخرى نصفا عن واحدة ونصفا عن واحدة فكمل فيها العتق " .

قال الماوردي : وصورتها : في رجل عليه كفارتان إما من جنسين، مثل كفارة قتل وكفارة ظهار، أو من جنس واحد ؛ مثل كفارتي قتل أو كفارتي ظهار، فأعتق عنهما عبدين فهذا على ثلاثة أقسام :

أحدهما : أن يعتق أحد العبدين بعينه عن إحدى الكفارتين بعينها، ويعتق العبد الآخر عن الكفارة الأخرى، فهذا جائز، ويكون العتق فيهما على ما عين ونوى ، فلو أراد بعد ذلك أن ينقل كل واحد من العبدين إلى الكفارة الأخرى لم يجز، وكان العتق نافذا على التعيين الأول .

والقسم الثاني : أن يعتق أحد العبدين عن إحدى الكفارتين لا يعينها ويعتق العبد الآخر عن الكفارة الأخرى لا يعينها فيجزيه أيضا، سواء كانت الكفارتان عن جنس واحد أو من جنسين .

وقال أبو حنيفة رحمه الله إن كانتا من جنس واحد أجزأه وإن لم يعين ، وإن كانتا من جنسين لم يجزه حتى يعين استدلالا : بأنها عبادة تختلف في الموجب والموجب، فافتقرت إلى التعيين كالصلاة، واختلافهما في الموجب أن إحداهما عن قتل والأخرى عن ظهار واختلافهما في الموجب أن في إحداهما إطعاما وليس في الأخرى إطعام .

ودليلنا : هو أنه حق يؤدى على وجه التكفير، فلم يلزم فيه التعيين كما لو كانا من جنس واحد ؛ لأن الكفارتين إذا اتفقتا في الصورة فعدم التعيين لا يمنع من الإجزاء كالدماء في الحج ، ولأن العبادات ضربان :

أحدهما : ما يلزم تعيين النية في المختلف منه والمؤتلف، كالصلوات يلزم تعيين النية فيما اختلف منها كالصبح والمغرب، وفيما ائتلف منها كالظهر والعصر .

والثاني : ما لا يلزم تعيين النية في المختلف منه والمؤتلف ؛ كالزكوات، لا يلزم [ ص: 485 ] تعيين النية فيما اختلف منها كمن له خمس من الإبل مهرية حاضرة، وخمس من الإبل مجيدية غائبة فأخرج شاتين عنهما من غير تعيين أجزأ، كما يجزيه لو كانت العشر من جنس واحد في موضع واحد ، فلما لم يلزم في الكفارة تعيين النية في المؤتلف لم يلزم تعيينها في المختلف كالزكاة لأنها وافقتها في المؤتلف بخلاف الصلاة ؛ لأنها خالفتها في المؤتلف وفي هذا انفصال ، ولأنه لو وجب تعيينها في الجنسين لوجب إذا كانت عليه كفارة قد شك فيها ؛ هل وجبت عليه عن قتل أو ظهار أن يعتق عبدين، كما لو شك هل عليه ظهر أو عصر يقضي صلاتين، وقد وافق أبو حنيفة أنه لا يلزمه إلا عتق عبد واحد فدل على أن تعيين النية غير واجب .

فصل : والقسم الثالث وهو مسألة الكتاب أن يعتق كل واحد من العبدين عن كل واحدة من الكفارتين فيعتق نصف سالم عن كفارة القتل ونصفه عن كفارة الظهار، ويعتق نصف غانم عن كفارة القتل ونصفه عن كفارة الظهار، فهذا العتق مجزئ عن الكفارتين ؛ لأنه قد أعتق عنهما عبدين، لكن اختلف أصحابنا هل يكون العتق مبعضا على ما يرده أو مكملا على وجهين :

أحدهما : وهو ظاهر كلامه ها هنا، أنه يكون مبعضا على ما نوى ؛ لأن العتق بالتبعيض قد كمل .

والوجه الثاني : وهو ظاهر كلامه في كتاب الأم وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو علي بن خيران أنه يكمل العتق فيجعل أحد العبدين بكماله عن إحدى الكفارتين والعبد الآخر بكماله عن الكفارة الأخرى لأن عتق بعض العبد يسري إلى جميعه فلما امتنع أن يتبعض في الحرية والرق امتنع أن يتبعض في كفارتين ، وفائدة هذين الوجهين فيمن عليه عتق رقبة عن كفارة فأعتق نصف عبد ونصف آخر حتى كمل عتق رقبة من عبدين ففي إجزائهما عنه وجهان :

أحدهما : لا يجزيه إذا منع من تبعيض العتق هناك .

والوجه الثاني : يجزيه إذا جوزوا التبعيض هناك .

وفيها وجه ثالث : أنه إن أعتق النصف من عبدين باقيهما حر أجزأه، وإن كان باقيهما مملوكا لم يجزه ؛ لأنه إذا كان باقيهما حرا جرى عليه حكم الأحرار فيوجد مقصود العتق فيهما وإذا كان باقيهما مملوكا جرى عليه حكم العبيد فلم يوجد مقصود العتق فيها . ومثال ذلك في الزكاة : أن تجب عليه شاة في خمس من الإبل، فيخرج نصفي شاتين ؛ نصفا من شاة ونصفا من أخرى، ففي إجزائه ثلاثة أوجه :

أحدهما : يجزيه ؛ لأنه قد أخرج شاة .

[ ص: 486 ] والوجه الثاني : لا يجزيه لما أدخل على الفقراء من سوء المشاركة حتى يخرج شاة كاملة .

والوجه الثالث : إن كان باقي الشاتين ملكا للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم وإن كان لغيرهم لم يجز ؛ لدخول الضرر عليهم .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو كان ممن عليه الصوم فصام شهرين عن إحداهما كان له أن يجعله عن أيهما شاء وكذلك لو صام أربعة أشهر عنهما أجزأه " .

قال الماوردي : وهذا صحيح إذا كانت عليه كفارتان من جنس أو جنسين ، فإنهما عندنا سواء فله فيهما ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يكون من أهل العتق فيهما وذلك بأن يكون قادرا على عتق رقبتين فعليه عتقهما على ما مضى من حكم عتقه لهما .

والحال الثانية : أن يكون من أهل الصيام فيهما بأن يكون معسرا لا يقدر على عتق رقبة، فعليه أن يصوم عنهما أربعة أشهر، ولا يخلو حال صومه فيهما من أربعة أقسام :

أحدها : أن ينوي صوم شهرين متتابعين عن إحدى الكفارتين بعينها، ويصوم شهرين آخرين عن الكفارة الأخرى بعينها، فهذا يجزئه وقد أكد ذلك بالتعيين .

والقسم الثاني : أن يصوم شهرين عن إحدى الكفارتين لا يعينها، ويصوم شهرين عن الأخرى لا يعينها، فهذا يجزيه أيضا وإن لم يعين ؛ لأن التعيين غير مفيد فلم يلزم، كما أن النية في الوضوء لا يلزم فيها تعيين الحدث لأنه غير مفيد، ثم هو بعد ذلك بالخيار في أن يترك الصوم على إبهامه أو يعينه، وسواء كانت الكفارتان من جنس أو جنسين، وخالف أبو حنيفة كما خالف في العتق .

والقسم الثالث : أن يسرد صوم أربعة أشهر متوالية عنهما من غير تعيين فهذا يجزيه، وقد زاد بأنه تابع بين صوم الكفارتين، ويكون شهران متواليان عن إحدى الكفارتين وشهران متواليان عن الكفارة الأخرى .

والقسم الرابع : أن يصوم شهرين متتابعين عن الكفارتين وشهرين متتابعين عن الكفارتين، فلا يجزيه الصوم عن واحدة من الكفارتين بخلاف العتق ؛ لأن تتابع الشهرين في صوم الكفارة مستحق، وقد صار بالتبعيض مفرقا .

والحالة الثالثة : أن يكون من أهل العتق في إحدى الكفارتين ومن أهل الصيام في الكفارة الأخرى ؛ لأنه لا يملك إلا رقبة واحدة، فعليه أن يبدأ بالعتق عن إحدى الكفارتين شاء، سواء بدأ به فيما تقدم وجوبه منهما أو فيما تأخر ، ثم يصوم بعد ذلك شهرين [ ص: 487 ] متتابعين عن الكفارة الأخرى ، وهو أن يبدأ بالعتق عن إحداهما لا يعينها، ثم بالصوم عن الأخرى لا يعينها، كما لو كان من أهل العتق فيهما أو من أهل الصوم فيهما ، فلو بدأ بالصوم ثم أعتق أجزأه العتق ولم يجزه الصوم ؛ لأنه صام وهو قادر على العتق ، ولو جعل العتق عن الكفارتين معا والصوم عنهما معا تكميلا لكل كفارة من جنسين لم يجزه الصوم عن واحدة من الكفارتين وأجزأه العتق، وفيه وجهان بناء على ما مضى :

أحدهما : أنه يستكمل العتق في إحداهما، وعليه أن يستأنف صوم شهرين للأخرى .

والوجه الثاني : أن يكون على ما نوى من التبعيض فلا يتكمل ، فإن أيسر بإكمال العتق أو استدان حتى أعتق عبدا آخر عن الكفارتين أجزأه ، وإن كان على إعساره وأراد أن يكمل الكفارة بالصوم لم يجزه أن يصوم عن نصف كل كفارة شهرا ؛ لأن تبعيض الصيام في الكفارة غير مجزئ وكان عليه أن يصوم عن كل واحدة منهما شهرين متتابعين، فيصوم لهما أربعة أشهر، فعلى هذا هل يكون ما قدمه من العتق مؤثرا في التكفير أم لا على وجهين :

أحدهما : لا يؤثر فيه لما يلزمه من تكميل الصيام .

والوجه الثاني : يؤثر فيه لتقدم النية عنه وإنما يكمل الصيام جبرا وبالله التوفيق .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو كان عليه ثلاث كفارات فأعتق رقبة ليس له غيرها وصام شهرين ثم مرض فأطعم ستين مسكينا ينوي بجميع هذه الكفارات النهار وإن لم ينو واحدة بعينها أجزأه ؛ لأن نيته في كل كفارة بأنها لزمته " .

قال الماوردي : وهذا صحيح إذا وجب عليه ثلاث كفارات إما من جنس واحد أو من أجناس، فكان من أهل العتق في واحدة ومن أهل الصيام في ثانية ومن أهل الإطعام في ثالثة على ما بينه الشافعي رضي الله عنه، فعليه أن يبدأ بالعتق عن أحدها، إما بعينها أو مبهمة ، وإنما لزم أن يكون الصوم بعد العتق لأنه لا يجوز مع القدرة عليه ، ولزم أن يكون الإطعام بعد الصوم لأنه لا يجزئ مع القدرة عليه ، فإن قدم الإطعام ثم الصيام ثم العتق أجزأه العتق وحده واستأنف الصوم بعده ثم الإطعام بعد الصوم، وليس له أن يسترجع الطعام الذي قدمه لعدم إجزائه لأن الفقراء قد ملكوه بالقبض ، فلو نوى وقد رتب أن يكون كل واحد من العتق والصيام والإطعام عن كل واحدة من الكفارات الثلاث أثلاثا اعتد بجميع العتق ولم يعتد بجميع الصيام واعتد بالثلث من الإطعام، ثم هل يتكمل العتق في أحدهما أم لا ؟ على ما مضى من الوجهين، ولزمه تكميل الإطعام عن إحداهما، وعليه استئناف الصيام عن الأخرى .

[ ص: 488 ] مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو وجبت عليه كفارة فشك أن يكون من ظهار أو قتل أو نذر فأعتق رقبة عن أيها كان أجزأه، ولو أعتقها لا ينوي واحدة منها لم يجزئه " .

قال الماوردي : ومقدمة هذه المسألة بيان حكم النية، والكلام يشتمل فيها على ثلاثة فصول :

أحدها : في وجوبها .

والثاني : في صفتها .

والثالث : في محلها .

فأما وجوب النية فمستحق في التكفير بالعتق والصيام والإطعام ؛ لأن الثلاثة قد تفعل على طريق الوجوب تارة وعلى طريق التطوع أخرى، فوجب أن تستحق فيها النية ؛ ليمتاز بها الواجب من التطوع .

وأما صفة النية فهو أن ينوي بالعتق أو بالصيام أو بالإطعام أنه عن الكفارة التي عليه، ولا يلزم تعيين النية عن أي كفارة، ولا يجزئ أن ينوي أنه عتق واجب أو صوم واجب أو إطعام واجب ؛ لأن الوجوب قد يتنوع فلم يكن بد من وصف الوجوب بأنه عن كفارة لتمييزه .

وأما محل النية فإن كان صوما ففي ليل الصيام لا يجزئ قبله ولا بعده كسائر الصوم الواجب . وإن كان عتقا أو طعاما لم تجزه النية قبل أن يتعين له العبد الذي يعتقه والطعام الذي يطعمه ، فأما بعد تعيين العبد والطعام ففي محل النية وجهان :

أحدهما : ينوي مع لفظ العتق ومع تفريق الطعام، فإن نوى قبلهما لم يجزه .

والوجه الثاني : يجوز أن ينوي قبل التعيين وبعد العتق والإطعام ، وأصل هذين الوجهين اختلاف أصحابنا في محل النية في الزكاة ، فأحد الوجهين : أن محل النية فيها عند عزلها .

والثاني : عند دفعها .

فصل : فإذا ثبتت هذه المقدمة فصورة مسألتنا فيمن علم أنه عليه كفارة واجبة وهو شاك في سبب وجوبها هل وجبت بقتل أو ظهار ، فإن أعتق ينوي به الكفارة الواجبة عليه أجزأه مع الشك في الموجب ؛ لأن التعيين لا يجب وإن نوى العتق الواجب عليه، ولم ينو أنه في الكفارة لم يجزه ؛ لأن نية التكفير مستحقة، وإن كانت نية تعيين السبب فيه مستحقة ؛ فإن كان عين العتق ونوى أنه عن كفارة الظهار مع الشك [ ص: 489 ] فيه لم يكن على يقين من أدائها لجواز أن تكون الكفارة عن قتل، ولا على يقين من بقائها لجواز أن تكون عن ظهار ، فإن بان له بعد ذلك أنها عن ظهار أجزأه ؛ لأنه قد تعين بالنية ما وجب عليه ، وإن بان أنها عن قتل لم يجزه ؛ لأنه قد تعين بالنية ما لم يجب عليه فصار الواجب باقيا عليه . فإن قيل : فهلا كان كمن شك في حدثه هل هو من بول أو نوم فتوضأ ينوي حدث البول ثم بان أنه عن نوم أجزأه .

قيل : الفرق بينهما أن رفع الحدث الواحد رافع لجميع الأحداث، وليست الكفارة الواحدة رافعة لجميع الكفارات . ولو علم أنه عليه عتق رقبة وشك فيها هل وجبت عليه عن قتل أو ظهار أو نذر فأعتق رقبة ينوي بها العتق الواجب عليه لم يجزه ؛ لما ذكرنا من أن نية التكفير مستحقة في العتق، ولو نوى بها العتق عن التكفير نظر في عتق النذر فإن كان مستحقا في نذر اللجاج الخارج مخرج الأيمان أجزأه هنا العتق ؛ لأن العتق في هذا النذر تكفير أيضا، وإن كان نذر مجازاة أو تبرر لم يجزه لأنه لا يكون العتق فيه تكفيرا، وقيل له : أنت على غير يقين من أدائها ولا من بقائها في النذر وحده ، فإن أعتق رقبة ثانية ينوي بها عتق النذر وحده أجزأه وسقطت الكفارة يقينا عن ذمته لأن عتق التكفير قد سقط بالعتق الأول وإن لم يتعين، وعتق النذر قد سقط بالثاني المعين .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو ارتد قبل أن يكفر فأعتق عبدا عن ظهاره فإن رجع أجزأه ؛ لأنه في معنى دين أداه أو قصاص أخذ منه أو عقوبة على بدنه لمن وجبت له، ولو صام في ردته لم يجزئه ؛ لأن الصوم عمل البدن، وعمل البدن لا يجزئ إلا من يكتب له .

" . قال الماوردي : ومقدمة هذه المسألة أن في ملك المرتد ثلاثة أقاويل :

أحدها : أن ملكه باق ما كان حيا وتصرفه فيه جائز .

القول الثاني : أن ملكه زائل عن ماله وتصرفه فيه مردود .

والقول الثالث : أن ملكه موقوف مراعى، وكذلك تصرفه ، فإن قتل بالردة علم زوال ملكه وفساد تصرفه بنفس الردة ، وإن عاد إلى الإسلام علم أن ملكه كان باقيا وتصرفه جائزا ، ولتوجيه هذه الأقاويل موضع من كتاب الردة .

فإذا ثبت ما وصفنا منها وكان على المرتد كفارة من قتل أو ظهار وجبت عليه قبل ردته فإن قيل بأن ملكه فيه ثابت وتصرفه فيه جائز أو قيل أنهما على الوقف والمراعاة جاز له إخراج الكفارة من ماله ، وإن قيل أن ملكه زائل وتصرفه مردود ففي جواز تكفيره من ماله وجهان :

[ ص: 490 ] أحدهما : لا يجوز أن يكفر من ماله كما لا تجب عليه زكاته .

والوجه الثاني : وهو أصح، يجوز له أن يكفر من ماله، وإن لم تجب عليه زكاته لاستحقاق الكفارة في ماله قبل ردته كالديون .

والفرق بين الكفارة والزكاة أن الزكاة لا تجب عليه بعد ردته، والكفارة قد تجب عليه بعد ردته .

فصل : فإذا تقرر ما ذكرنا من جواز التكفير بعد الردة فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون ممن يكفر بالعتق فيجزيه أن يعتق فيه مؤمنة قد كان لها مالكا قبل الردة، أو يقول لمسلم : أعتق عبدك هذا المسلم عن كفارتي بكذا . فإن اشترى عبدا مسلما فعلى قولين :

أحدهما : يصح الشراء وينفذ العتق .

والثاني : يكون باطلا وعتقه مردودا وإنما يصح منه العتق وإن كان قربة تفتقر إلى نية ؛ لأنها من حقوق الأموال التي تنصرف إلى الآدميين فأشبهت قضاء الديون .

والقسم الثاني : أن يكون ممن يكفر بالصيام، فلا يجزيه الصوم في الردة ؛ لأنه من عبادات الأبدان المحضة التي لا تصح إلا من مسلم .

والقسم الثالث : أن يكون ممن يكفر بالإطعام ففي جوازه منه وجهان :

أحدهما : يجوز منه الإطعام ؛ لأنه من حقوق الأموال كالعتق .

والوجه الثاني : لا يجوز أن يكفر بالإطعام ؛ لأنه بدل من الصيام الذي لا يصح منه، فأجرى على البدل حكم المبدل . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث