الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يجوز أن يكفر إلا كفارة كاملة من أي الكفارات كفر " .

قال الماوردي : وهذا كما قال لا يجوز أن يبعض كفارة الظهار ولا غيرها من الكفارات فيعتق بعض رقبة ويتمها ببعض الصوم أو يصوم بعض الصيام ويتم بالإطعام حتى يكملها من أحد الأجناس ، فإن كان من أهل العتق كمل عتق رقبة، وإن كان من أهل الصيام كمل صوم شهرين وإن كان من أهل الإطعام كمل إطعام ستين مسكينا ؛ لأن الله تعالى رتب كفارة الظهار في ثلاثة أجناس وخير في كفارة اليمين بين ثلاثة أجناس فلا يجوز أن يحصل الترتيب بين أكثر من الأجناس الثلاثة ولا التخيير بين أكثر من أجناس ثلاثة، ولأنه يصير بتبعيض الأجناس أو تفريقها جامعا بين البدل والمبدل، والإضرار يمنع من الجمع بينهما .

فإن قيل : أولستم تقولون فيمن وجد من الماء ما يكفيه أنه يستعمله ويتيمم لباقيه وهو جمع بين البدل والمبدل . قيل : الفرق بينهما من وجهين : ظاهر ومعنى ؛ أما الظاهر فلأنه في الكفارة قال فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا إلى أن قال فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين [ المجادلة : 3 ، 4 ] فجعل الصيام بدلا من جميع الرقبة الكاملة التي كانت فرضه في التكفير، وقال في التيمم فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] فذكر ماء منكرا فصار فرضه ؛ أي ما وجده .

وأما المعنى فهو أن التيمم قد ينوب تارة عن طهارة بعضه في الحدث ولا تماثل [ ص: 522 ] الطهارة في البعض عتق البعض وصوم البعض، فجاز في الواجد لبعض الماء أن ينوب عن باقيه وصح الجمع بينهما وليس كذلك صوم الكفارة ؛ لأنه لا ينوب عن بعض العتق فلم يجز الجمع بينهما . والله أعلم .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وكل الكفارات بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تختلف وفي فرض الله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنه بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف يكون بمد من لم يولد في عهده أو مد أحدث بعده، وإنما قلت مدا لكل مسكين لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في المكفر في رمضان فإنه أتى - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال للمكفر كفر به، وقد أعلمه أن عليه إطعام ستين مسكينا فهذا مدخله، وكانت الكفارة بالكفارة أشبه في القياس من أن نقيسها على فدية في الحج، وقال بعض الناس المد رطلان بالحجازي، وقد احتججنا فيه مع أن الآثار على ما قلنا فيه وأمر الناس بدار الهجرة وما ينبغي لأحد أن يكون أعلم بهذا من أهل المدينة ، وقالوا أيضا لو أعطى مسكينا واحدا طعام ستين مسكينا في ستين يوما أجزأه ( قال الشافعي ) رحمه الله : لئن أجزأه في كل يوم وهو واحد ليجزئه في مقام واحد فقيل له أرأيت لو قال قائل قال الله وأشهدوا ذوي عدل منكم شرطان : عدد وشهادة فأنا أجيز الشهادة دون العدد فإن شهد اليوم شاهد ثم عاد لشهادته فهي شهادتان، فإن قال لا حتى يكونا شاهدين فكذلك لا حتى يكونوا ستين مسكينا، وقال أيضا لو أطعمه أهل الذمة أجزأه، فإن أجزأ في غير المسلمين وقد أوصى الله تبارك وتعالى بالأسير فلم لا يجزئ أسير المسلمين الحربي والمستأمنون إليهم " .

قال الماوردي : قد مضى الكلام في أعداد الأمداد، وإن لكل مسكين مدا واحدا في جميع الكفارات إلا فدية الأذى فإن لكل مسكين مدين ، فأما مقدار المد وهو مد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدره رطل وثلث بالعراقي في جميع الكفارات . وقال مالك جميع الكفارات بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا كفارة الظهار فإنها بالمد الحجاجي ، وأصل هذا صاع الزكاة وقد مضى في كتاب الزكاة .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " لو غداهم أو عشاهم وإن تفاوت أكلهم فأشبعهم أجزأ " .

قال الماوردي : يعني بهذا أبا حنيفة وأصحابه قالوا أنه لو غدى المساكين وعشاهم أجزأه وإن لم يجزه عند الشافعي . قالوا : لأن المقصود بالإطعام سد الجوعة [ ص: 523 ] وإصلاح الخلة ، وهذا موجود في الإطعام بالغداء والعشاء كوجوده بالعطاء . ودليلنا هو أن كل ما وجب صرفه في المساكين لزم فيه العطاء والتمليك كالكسوة، ولأنه قوت وجب صرفه إلى المساكين فوجب أن يراعى فيه التمليك كالزكاة ، ولأن استهلاك الطعام كان على ملكه فلم يجزه عن كفارته أصلا إذا أباح المساكين إطعامهم ، ولأن النية في الكفارة مستحقة عند إخراجه عن ملكه، ونية الكفارة عند الغداء والعشاء متعذرة لأنه إن نوى عند التقديم كانت نية قبل الإخراج، وإن نوى عند الأكل كانت نية بعد الاستهلاك . وإن نوى مع كل لقمة شق ، ولأن التمليك أعم منفعة من الأكل ؛ لأنه يقدر على إدخاله على بيعه وعلى أكله فلم يجز أن يسقط حقهم من عموم المنافع بأخذها وفي هذا انفصال عن الاستدلال .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن أعطاهم قيمة الطعام عرضا أجزأ، فإنه أترك ما نصت السنة من المكيلة فأطعم ستين صبيا، أو رجالا مرضى، أو من لا يشبعهم إلا أضعاف الكفارة، فما يقول إذا أعطي عرضا مكان المكيلة لو كان موسرا يعتق رقبة فتصدق بقيمتها فإن أجاز هذا فقد أجاز الإطعام وهو قادر على الرقبة وإن زعم أنه لا يجوز إلا رقبة فلم جوز العرض ؟ وإنما السنة مكيلة طعام معروفة، وإنما يلزمه في قياس قوله هذا أن يحيل الصوم وهو مطيق له إلى الضد " .

قال الماوردي : وهذا قاله احتجاجا في جواز إخراج القيم في الزكوات وكذلك في الكفارات وقد تقدم الكلام معه في المنع من إخراج القيم في الزكوات وكذلك في الكفارات .

ومن القياس في غير المسألة أنه أحلها بها ولم يجز إخراج القيمة في العتق .

فإن قالوا : والمعنى في العتق أنه مستحق للعبد وليس في العتق أنه يستحق العبد ، فإذا أخرج قيمته صارت مصروفة في غير مستحقه، وليس كذلك قيمة الطعام والكسوة لأنه انصرف في مستحق الطعام والكسوة . قلنا : لا فرق بين أن يدفع إلى المستحق غيره، وبين أن يدفع الحق إلى غير مستحقه في أنه يصرف الحق إلى غير مستحقه، ألا ترى أنه لا يجوز في حقوق الآدميين أن يدفع إلى صاحب الحق قيمته بدل حقه، كما لا يجوز أن يدفعه إلى غيره . فإن قالوا : أوليس القياس يجوز أن يدفع إلى صاحب الحق قيمة حقه عن تراض، فكذلك يجوز أن يدفع إلى المساكين قيمة ما يستحقونه عن تراض قيل : لأن حقوق الآدميين تتعين فجاز أن يقع التراضي على القيمة، والكفارة مستحقة لغير معين فلم يصح التراضي على القيمة . والله أعلم . نجز كتاب الظهار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث