الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد سجد سجدتي السهو قبل التسليم ، واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، وبحديث ابن بحينة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل التسليم " .

قال الماوردي : وهذا كما قال لا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام ، وبعده ، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى فمذهب الشافعي وما نص عليه في القديم ، والجديد : أن الأولى فعله قبل السلام في الزيادة والنقصان ، وبه قال من الصحابة ، أبو هريرة ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، والزهري ، ومن الفقهاء ربيعة ، والأوزاعي ، والليث بن سعد .

وقال أبو حنيفة ، والثوري : الأولى فعله بعد السلام في الزيادة والنقصان ، وبه قال علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، رضي الله عنهم .

وقال مالك : إن كان عن نقصان فالأولى فعله قبل السلام ، وإن كان عن زيادة فالأولى فعله بعد السلام ، وقد أشار إليه الشافعي في كتاب " اختلافه مع مالك " ، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد ما حكيناه في فعل ذلك قبل السلام في الزيادة والنقصان .

فأما أبو حنيفة فاستدل برواية ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل سهو سجدتان بعد السلام .

وبما رواه أبو هريرة في قصة ذي اليدين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى على صلاته وسجد للسهو بعد السلام .

قال : ولأن سجود السهو إنما أخر فعله عن سببه لكي ينوب عن جميع السهو ، فاقتضى أن يكون فعله بعد السلام أولى لتصح نيابته عن جميع السهو ، لأنه إذا فعله قبل السلام لم يخل هذا السهو من أحد أمرين ، إما أن يقتضي سجودا ثانيا ، أو لا يقتضي ، فإن اقتضى سجودا ثانيا لم يكن الأول نائبا عن جميع السهو .

[ ص: 215 ] وأما مالك فاستدل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في قصة ذي اليدين بعد السلام ، وكان سببه زيادة الكلام ، وسجد في حديث ابن بحينة عندما ترك التشهد الأول قبل السلام ، وكان سببه النقصان ، فدل على اختلاف محله لاختلاف سببه ، قال : ولأن سجود السهو جبران ، فإذا كان لنقصان اقتضى فعله قبل السلام لتكمل به الصلاة ، وإن كان لزيادة أوقعه بعد السلام لكمال الصلاة .

والدلالة عليهما رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن على ما استيقن ، ويسجد لسجدتي السهو قبل السلام .

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليتم ركوعه ، ويقعد ويتشهد ويسجد سجدتي السهو ثم يسلم فإن كانت خمسا شفعتها السجدتان ، وإن كانت أربعا كانت السجدتان ترغيما للشيطان .

وروى عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي حليف بني عبد مناف أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الجلوس الأول في صلاة الظهر ، أو قال : العصر ، إلى أن قام فمضى في صلاته فلما جلس وتشهد سجد سجدتي السهو قبل أن يسلم ولأنه سجود عن سبب وقع في صلاته ، فوجب أن يكون محله في الصلاة قياسا على سجود التلاوة ، ولأنه سجود لو فعله في الصلاة سجد عند موجبه ، فوجب أن يكون محله في الصلاة قياسا على سائر سجدات الصلاة ، ولأنه جبران للصلاة فوجب أن يكون محله في الصلاة كمن نسي سجدة ، ولأن كل ما كان شرطا في سجود الصلاة كان شرطا في سجود السهو كالطهارة والمباشرة ، ولأنه لو كان محله بعد السلام لوجب إن فعله ناسيا قبل السلام أن يسجد لأجله بعد السلام ، وفي إجماعهم على ترك السجود له بعد السلام دليل على أن محله قبل السلام ، ولأنه سجود للسهو وجبران للصلاة ، وما كان جبرانا للشيء كان واقعا فيه .

وأما ما رووه من الأخبار ففيه جوابان :

أحدهما : أنها منسوخة .

والثاني : مستعملة . فأما نسخها فمن وجهين :

أحدهما : ما رواه الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام ، وسجد له بعد السلام ، وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم سجود السهو قبل السلام .

والثاني : تأخر أخبارنا وتقدم أخبارهم ، لأن ابن مسعود روى سجود السهو بعد السلام وهو متقدم الإسلام قد هاجر الهجرتين ، وابن عباس وأبو سعيد الخدري رويا سجود السهو قبل السلام ، وكان لابن عباس حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة ، وقيل : سبع سنين وكان أبو سعيد من أحداث الأنصار ، وأصاغرهم .

[ ص: 216 ] وأما استعمالها فمن وجهين :

أحدهما : أنها مستعملة على ما بعد السلام في التشهد وهو قول : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

والثاني : أنها محمولة على أنه نسي السهو ثم ذكره بعد سلامه فأتى به ، وأما قولهم أنه إذا فعله قبل السلام ثم سها بعده لم يخل حاله من أحد أمرين :

قلنا : فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين :

أحدهما : أنه سجود واقع عن السهو الذي قبله ، والذي بعده .

والثاني : وهو قول أبي إسحاق إنه يسجد لهذا السهو ، ولا يؤدي ذلك إلا أن السجود الأول لا ينوب عن جميع السهو ، لأنا نقول : إن سجدتي السهو تنوب عن جميع السهو في الغالب ، ووقوع السهو بعد السجود وقبل السلام نادر فجاز السجود له ، وأما استعمال مالك فلا يصح ، لأن حديث ابن عباس يوجب سجود السهو قبل السلام مع الزيادة والنقصان ، وأما قوله إن الزيادة تمنع من سجود السهو قبل السلام فغلط ، لأن الزيادة فيها نقصان بدليل أنه لو ترك منها ركعة عامدا أو زاد عليها ركعة عامدا أبطلت صلاته فيها ، وإن كان ذلك نقصانا وجب أن يكون السجود له في الصلاة جبرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث