الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإن خالف الحاكم في لعانهما ما وصفنا ، اشتمل خلافه على أربعة أقسام :

أحدها : أن يخالف في لفظ الشهادة ، فيأمرهما بدلا من أشهد بالله ، أن يقولا : أقسم بالله أو أحلف بالله ، أو أولي بالله ، ففي جوازه وجهان :

أحدهما : لا يجزئ لأمرين :

أحدهما : مخالفة النص وتغليظ الشهادة .

والثاني : أنه يجزئ لأمرين :

أحدهما : أن اللعان يمين فكان ألفاظ الأيمان به أخص .

والثاني : أن الشهادة كناية واليمين صريح .

والقسم الثاني : أن يخالف بينهما في لفظ اللعن والغضب في الخامسة ، وهو على ضربين :

أحدهما : أن يعدل عن لفظهما إلى غيرهما ، فيقول بدلا من اللعنة في الزوج الإبعاد ، ومن الغضب في الزوجة السخط ، فلا يجزيه لأمرين :

أحدهما : لتغيير النص .

والثاني : لأنه قد صار بالنص صريحا فصار ما سواه كفاية وإن وافق معناه .

والضرب الثاني : أن ينقل كل واحد منهما من جهته إلى الجهة الأخرى ، فينظر فيه ، فإن نقل اللعن من الزوج إلى الزوجة حتى قالت : وعلي لعنة الله بدلا من قولها : علي غضب الله لم يجز ؛ لأن الغضب أغلظ من اللعن ؛ لأن الغضب انتقام ، واللعن [ ص: 61 ] إبعاد ، وكل منتقم منه مبعد ، وليس كل مبعد منتقما منه ، فصار الغضب أغلظ ، ولذلك غلظ به لعان الزوجة لأن الزنا منها أقبح والمعرة منها أفضح .

وإن نقل الغضب إلى الزوج حتى قال : وعلي غضب الله ، بدلا من قوله : وعلي لعنة الله ، ففي إجزائه وجهان :

أحدهما : لا يجزئ لمخالفة النص .

والثاني : يجزئ ؛ لأنه أغلظ من النص مع دخوله فيه .

والقسم الثالث : أن يخالف بينهما في ترتيب اللفظ فيجعل ما في الخامسة من اللعن والغضب قبل الشهادات أو في تضاعيفها ، ففي جوازه وجهان :

أحدهما : لا يجزئه لمخالفة الترتيب فيه .

والثاني : يجزئه لوجود التغليظ .

والقسم الرابع : أن يخالف بينهما في العدد ، فإن كان خلافه في الزيادة فزاد على الشهادات الأربع خامسة ، أو على اللعنة والغضب في الخامسة سادسة ، فقد أساء وأجزأ ، وإن كان خلافه في النقصان فترك بعض الشهادات الأربع ، أو ترك الخامسة في اللعن والغضب لم يجز ، ولم يتعلق بما اقتصر عليه شيء من أحكام اللعان ، سواء ترك أكثره أو أقله ، وينقض حكمه فيه .

وقال أبو حنيفة : إن ترك أقله أجزأه وإن أساء ، ولا وينقض حكمه استدلالا بأمرين :

أحدهما : أن اللعان مما اختلف في وقوع الفرقة به ، وما استقر فيه الخلاف ساغ فيه الاجتهاد ، والحكم إذا نفذ باجتهاد مسوغ لم ينقض .

والثاني : أن إدراك معظم الشيء يقوم مقام إدراك جميعه ، كمن أدرك الإمام راكعا كان في الاعتداد بالركعة كالمدرك له محرما ، كذلك أكثر اللعان يجوز أن يقوم مقام جميعه ودليلنا قوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين [ النور : 8 ، 9 ] فعلق الحكم فيه بخمس ، فلم يجز أن يعلق بأقل منها ؛ لأنه يصير نسخا ولا يجوز أن ينسخ القرآن بالاجتهاد ، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته وبين هلال بن أمية وامرأته بخمس ثم فرق ، والحكم إذا علق بسبب اقتضى أن يكون محمولا على سببه ، ولأن الاقتصار من اللعان على بعضه يمنع من ثبوت حكمه كالاقتصار على أقله ، ولأن الحكم إذا تعلق بعدد لم يتعلق ببعضه كأعداد الركعات فكذلك أعداد اللعان ، ولأن ما شرع عدده في درء الحد لم يجز الاقتصار منه على بعضه كالشهادة ؛ ولأن اللعان إما أن [ ص: 62 ] يكون يمينا ، فلا يجوز أن يقتصر على بعض ما شرع فيها من العدد كالقسامة ، أو يكون شهادة فلا يجوز الاقتصار على بعض عددها كسائر الشهادات .

فأما الجواب عما ذكروه من أن حصول الاختلاف مسوغ للاجتهاد ، فهو أن الإجماع منعقد على الخمس ، وإنما الاختلاف في وقوع الفرقة بها أو بما بعدها وما انعقد الإجماع عليه لم يسغ الاجتهاد فيه .

وأما الجواب عن أن إدراك معظم الشيء يقوم مقام إدراك جميعه فهو أنه فاسد بإدراك ثلاث ركعات من أربع لا يقوم مقام إدراك الأربع ؛ إنما أدرك الإمام الركعة الأولى بإدراك أكثرها ؛ لأنه تحمل عنه ما فاته منها وقام مقامه فيها ، ولذلك لو انفرد بها من غير إمام لم يدركها ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث