الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في التهجد وما ورد في فضله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وقد مدح سبحانه وتعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته بقوله : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } وقال تعالى { والمستغفرين بالأسحار } . وقال تعالى { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } . ونفى سبحانه التسوية بين المتهجدين وبين غيرهم في قوله { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو [ ص: 499 ] رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولو الألباب } .

وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل : { لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه ، وكان إذا مرض أو قالت كسل صلى قاعدا } . وفي رواية عنها رضي الله عنها { قالت : بلغني عن قوم يقولون إن أدينا الفرائض لم نبال أن لا نزداد ، ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار ، وما أنتم إلا من نبيكم ، وما نبيكم إلا منكم ، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل . ونزعت كل آية فيها قيام الليل } . فأشارت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى أن قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان : الاقتداء بسنة ينبوع الهدى ، والتأسي بالشفيع غدا ، ومعدن الاهتداء . وقال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وتكفير الذنوب والخطايا ، من منفس الكروب ومانح العطايا . فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار ، فيحتاجون إلى الاستكثار من مكفرات الأوزار .

وقيام الليل من أعظم المكفرات ، كما قال سيد السادات ومعدن السعادات ، لحامل لواء الفقهاء إلى الجنة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه { قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة ثم تلا { تتجافى جنوبهم } الآية } رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره .

وقد روي أن المتهجدين يدخلون الجنة بغير حساب .

روي عن شهر بن حوشب رحمه الله عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق : سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم ، ثم يرجع فينادي : أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؟ فيقومون وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء ، فيقومون وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، فيقومون وهم قليل ، ثم يحاسب سائر الناس } خرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي . ويروى نحوه عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله . ويروى أيضا نحوه من حديث [ ص: 500 ] أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر من قوله ومرفوعا أيضا . ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وربيعة الجرشي والحسن وكعب رحمهم الله تعالى .

قال بعض السلف : قيام الليل يهون طول قيام يوم القيامة ، وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف والحساب .

وفي حديث المنام المشهور الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي { أن الملأ الأعلى يختصمون في الدرجات والكفارات . وفيه أن الدرجات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام } . فثبت بهذا أن قيام الليل كما أنه تكفير للسيئات فهو يرفع الدرجات أيضا .

وتقدم حديث { إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها } وأنها لأهل هذه الخصال الثلاثة . فقد ارتفعت درجات قوام الليل به .

قال الإمام الحافظ ابن رجب في كتابه اختيار الأولى ، في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى : الصلاة بالليل من موجبات الجنة ، وقد دل عليه قوله عز وجل { إن المتقين في جنات وعيون . آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون } الآيات . فوصفهم بالتيقظ بالليل والاستغفار بالأسحار . قال : وكان بعض السلف نائما فأتاه آت في منامه فقال له قم فصل أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها هم خزانها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث