الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عدد حد الخمر ومن يموت من ضرب الإمام وخطأ السلطان

فصل :

فإذا ثبت وجوب الختان في الرجال والنساء ، فهو من الرجال يسمى إعذارا [ ص: 433 ] وفي النساء يسمى خفضا ، ويسمى غير المعذور من الرجال أغلف وأقلف . وإعذار الرجل : هو قطع القلفة التي تغشى الحشفة ، والسنة أن تستوعب من أصلها ، وأقل ما يجزي فيه ألا يتغير بها شيء من الحشفة .

وأما خفض المرأة : فهو قطع جلدة تكون في الفرج ، فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ، تؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها ، روى ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أم عطية إذا خفضت فأشمي ، ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه ، وأحظى عند الزواج .

وقوله : " أشمي " أي : لا تبالغي .

وفي قوله : " أسرى للوجه ، وأحظى عند الزواج " تأويلان :

أحدهما : أصفى للون .

والثاني : ما يحصل لها في نفس الزوج من الحظوة بها .

وللختان وقتان : وقت استحباب ، ووقت وجوب . فأما وقت الاستحباب : فما قبل البلوغ .

والاختتان : أن يختتن في اليوم السابع : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن اختتان المولود في اليوم السابع ، وفيه يعق عنه ، وختن الحسن والحسين عليهما السلام في اليوم السابع .

واختلف أصحابنا ، هل يحتسب فيها يوم الولادة أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يحتسب يوم الولادة ، ويختتن في السابع منه .

والوجه الثاني : وهو قول الأكثرين لا يحتسب به ، ويختتن في السابع بعد يوم الولادة .

وهكذا روي ختان الحسن والحسين ، أنه كان في اليوم السابع بعد يوم الولادة ، فإن اختتن قبل السابع كرهناه ، وإن أجزأ لضعف المولود عن احتماله ، سواء في ذلك الغلام أو الجارية .

فإن أخر عن اليوم السابع المستحب بعده أن يختتن في الأربعين يوما : لأن فيه أثرا . فإن أخر عنه فالمستحب بعده أن يختتن في السنة السابعة : لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة ، ويميز بين أبويه . فإن لم يختتن حتى بلغ ، صار وقت الختان فرضا ، يتعين عليه فعله في نفسه ، ويؤخذ به جبرا في أول أوقات إمكانه . [ ص: 434 ] ولا يؤخر عما ذكرناه من وقت الاستحباب أو وقت الإيجاب ، إلا لعذر في الزمان من شدة حر أو برد ، أو لعذر في بدنه من شدة مرض يخاف على نفسه إن ختن ، فيؤخر إلى زوال العذر . فلو كان نضو الخلق وعلم من حاله أنه إن ختن تلف ، سقط فرض الختان عنه : لأنه لا تعبد فيما أفضى إلى التلف : لقول الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : 286 ] ، ولا يجوز أن يتولى ختان المولود إلا من كان ذا ولاية عليه بأبوة ، أو وصية ، أو حكم ، فإن ختنه من لا ولاية عليه ، فأفضى إلى تلفه ضمن نفسه . وإن ختنه ذو ولاية عليه كالأب أو الوصي أو السلطان فتلف نظر ، فإن لم يكن ذلك في زمان عذر ، لم يضمن نفسه : لأنه تلف من فعل واجب .

وإن كان في زمان عذر من مرض أو شدة حر أو برد ، قال الشافعي : ضمن نفسه . وقال في المحدود في حر أو برد أو مرض : إنه إذا مات لم يضمنه .

اختلف أصحابنا فيه على طريقتين :

إحداهما : الجمع بين الجوابين في الموضعين ، ونخرجهما على قولين :

أحدهما : يضمن في المحدود والمختون على ما نص عليه في المختون للتقدير بالزمان .

والقول الثاني : لا ضمان في المختون والمحدود على ما نص عليه في المحدود .

والطريقة الثانية : أن الجواب على ظاهر نصه في الموضعين ، فيضمن المختون ولا يضمن المحدود ، والفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الختان أخوف : لما فيه من قطع عضو وإراقة دم .

والثاني : أن وقت الختان متسع ، ووقت الحد يضيق .

فإذا وجب الضمان ، ففي قدر ما يضمنه وجهان :

أحدهما : وهو الظاهر من مذهب الشافعي يضمن جميع الدية : لأنها جناية منه .

والوجه الثاني : حكاه أبو حامد الإسفراييني : يضمن نصف الدية : لحدوث التلف عن واجب ومحظور ، فإن ضمن ذلك غير السلطان كان على عاقلته ، وإن ضمن السلطان فعلى قولين :

أحدهما : على عاقلته .

والثاني : في بيت المال ، وتلزمه الكفارة سواء ضمن جميع الدية أو نصفها : لأنه ضمن تلف نفس وإن تبعضت فيه الدية ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث