الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

32 [ ص: 5 ] ( 1 ) كتاب الطهارة

( 1 ) - باب العمل في الوضوء

35 - مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ؛ أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم ، وهو جد عمرو بن يحيى المازني ، وكان [ ص: 6 ] من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم : نعم ، فدعا بوضوء . فأفرغ على يده ، فغسل يديه مرتين ، مرتين ثم تمضمض ، واستنثر ثلاثا . ثم غسل وجهه ثلاثا . ثم غسل يديه مرتين مرتين ، إلى المرفقين ؛ ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ؛ بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما ، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ؛ ثم غسل رجليه .

[ ص: 7 ]

التالي السابق


[ ص: 7 ] 1122 - هكذا في " الموطأ " عند جميع رواته - فيما علمت - في إسناد هذا الحديث : " وهو جد عمرو بن يحيى في جده عبد الله بن زيد بن عاصم " .

1123 - ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث عن عمرو بن يحيى في عبد الله بن زيد بن عاصم : وهو جد عمرو بن يحيى ؛ إلا مالك ، ولم يتابعه أحد على ذلك .

1124 - وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري لا خلاف في ذلك .

1125 - ولجده أبي حسن صحبة فيما ذكر بعضهم على ما ذكرنا في كتاب " الصحابة " ، وعسى أن يكون جده لأمه .

[ ص: 8 ] 1126 - وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في " التمهيد " واختلاف رواته في سياقته وألفاظه .

1127 - وليس عند القعنبي في الموطأ .

1128 - وذكره سحنون في المدونة بألفاظ لا تعرف لمالك في إسناده ولا متنه .

[ ص: 9 ] 1192 - وقد أوضحنا معنى ذلك كله في " التمهيد " ، والحمد لله .

1130 - فأما ما في هذا الحديث من المعاني فأول ذلك غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مرتين .

1131 - فجملة قول مالك في ذلك أنه كره أن يدخل أحد يديه في وضوئه قبل أن يغسلهما إذا كان محدثا ، وإن كانت يده طاهرة لم يضر ذلك وضوءه .

1132 - هذا هو المشهور عنه ، والمعروف من مذهبه فيما روى عنه ابن القاسم ، وابن وهب ، وأشهب ، وغيرهم ؛ إلا ما ذكره ابن وهب ، عن ابن القاسم عن مالك في الذي يستيقظ فيدخل يده في الإناء : أنه لا بأس بذلك .

1133 - وذكر عن ابن وهب ، وأصبغ أنهما كرها ذلك .

[ ص: 10 ] 1134 - وقال ابن وهب : ليس على المتوضئ غسل يده إذا كانت طاهرة ، وكانت بحضرة الوضوء .

1135 - وسنورد ما للعلماء في هذا المعنى مستوعبا في باب وضوء النائم إن شاء الله .

1136 - وأما قوله : ثم مضمض واستنثر ثلاثا ، فالثلاث في ذلك في سائر الأعضاء أكمل الوضوء وأتمه ، وما زاد فهو اعتداء ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان ، وهذا لا خلاف فيه .

[ ص: 11 ] 1137 - والمضمضة معروفة ، وليس إدخال الإصبع ودلك الأسنان بها من المضمضة ، فمن شاء فعل ، ومن شاء لم يفعل .

1138 - وحسب المتمضمض أخذ الماء من اليد بفيه وتحريكه متمضمضا به ، وطرحه عنه . فإن فعل ذلك ثلاثا فقد بلغ غاية الكمال .

1139 - وأما الاستنثار فهو : دفع الماء من الأنف ، والاستنشاق : أخذه بريح الأنف .

1140 - وهما كلمتان مرويتان في الآثار المرفوعة وغيرها ، متداخلتان في المعنى ، وأهل العلم يعبرون بالواحدة عن الأخرى .

1141 - وقد ذكرنا الآثار الواردة بهما في " التمهيد " .

1142 - فأما اختلاف العلماء في حكمهما فإن مالكا والشافعي وأصحابهما يقولون : المضمضة والاستنثار سنة لا فريضة ، لا في الوضوء ولا في الجنابة .

1143 - وهذا قول الأوزاعي ، والليث بن سعد .

1144 - وبه قال محمد بن جرير الطبري .

1145 - وروي ذلك عن الحسن البصري ، وابن شهاب ، والحكم بن عتيبة ، ويحيى بن سعيد ، وقتادة .

[ ص: 12 ] 1146 - فمن توضأ ولم يأت بهما ولا عملهما في وضوئه وصلى فلا إعادة عليه عند واحد من هؤلاء العلماء .

1147 - وحجة من لم يوجبهما أن الله لم يذكرهما في كتابه ولا أوجبهما رسوله ، ولا اتفق الجميع على إيجابهما . والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه .

1148 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري : هما فرض في الجنابة ، وسنة في الوضوء فإن تركهما في غسله من الجنابة وصلى أعاد كمن ترك لمعة ومن تركهما في وضوئه فلا شيء عليه .

1149 - والحجة لهم قوله - عليه السلام - : " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر " ، وفي الأنف ما فيه من الشعر وأنه لا يوصل إلى غسل الأسنان والشفتين إلا بالمضمضة .

1150 - وقد قال عليه السلام : " العينان تزنيان ، والفرج يزني " ونحو ذلك إلى أشياء نزعوا بها تركت ذكرها .

1151 - وقال ابن أبي ليلى ، وحماد بن أبي سليمان : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، وهو قول إسحاق بن راهويه .

1152 - وروي عن عطاء ، والزهري مثل ذلك أيضا ، وروي عنهما مثل قول مالك والشافعي .

[ ص: 13 ] 1153 - وكذلك اختلف أصحاب داود : فمنهم من قال : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، ومنهم من قال : إن المضمضة سنة والاستنشاق فرض .

1154 - وكذلك اختلف عن أحمد بن حنبل على هذين القولين المذكورين عن داود وأصحابه .

1155 - ولم يختلف قول أبي ثور ، وأبي عبيد أن المضمضة سنة والاستنشاق واجب . قالا : من ترك الاستنشاق وصلى أعاد ، ومن ترك المضمضة لم يعد .

1156 - وكذلك القول عند أحمد بن حنبل في رواية . وعند أصحاب داود أيضا مثله .

1157 - واحتج من أوجبهما في الوضوء وفي غسل الجنابة أن الله تعالى قال : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا [ النساء : 43 ] .

1158 - كما قال في الوضوء : فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] .

1159 - فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر .

1160 - ولم يحفظ أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا غسله للجنابة ، وهو المبين عن الله عز وجل مراده .

1161 - وقد بين أن مراد الله بقوله : فاغسلوا وجوهكم المضمضة والاستنشاق مع غسل سائر الوجه .

1162 - وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي - عليه السلام - فعل المضمضة ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل .

[ ص: 14 ] 1163 - وفعل عليه السلام الاستنثار وأمر به ، وأمره على الوجوب إلا أن يستبين غير ذلك من مراده .

1164 - وهذا على أصلهم في ذلك ، ولكل واحد منهم اعتلالات وترجيحات يطول ذكرها .

1165 - وأما غسل الوجه ثلاثة على ما في حديث عبد الله بن زيد هذا فهو الكمال ، والغسلة الواحدة إذا أوعبت تجزئ بإجماع من العلماء ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توضأ مرة مرة ، ومرتين ، وثلاثة .

1166 - وهذا أكثر ما فعل من ذلك عليه السلام ، وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير في الثنتين والثلاث ، إلا إن ثبت أن شيئا من ذلك نسخ لغيره ، فقف على إجماعهم فيه .

1167 - قال ابن القاسم عن مالك : ليس في ذلك توقيت . قال الله تعالى : فاغسلوا وجوهكم ، ولم يوقت .

1168 - وذكر عنه ابن عبد الحكم قال : لا أحب الاقتصار على اثنتين وإن عمتا .

1169 - والوجه مأخوذ من المواجهة ، وهو من منابت شعر الرأس إلى العارض والذقن والأذنين وما أقبل من اللحيين .

[ ص: 15 ] 1170 - واختلف في البياض الذي بين الأذنين والعارض ، فروى ابن وهب ، عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه .

1171 - وزعم عبد الوهاب أن مذهبه محمول في ذلك على أن غسل الوجه إلى العارض فرض ، وغسل ما بين العارض إلى الأذن سنة .

1172 - وقال الشافعي : يغسل المتوضئ وجهه من منابت شعر لحيته إلى أصول أذنيه ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه .

1173 - قال : فإن كان أمرد غسل بشرة وجهه كلها ، فإن نبتت لحيته وعارضاه أفاض على لحيته وعارضيه ، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه إذا كان شعره كثيرا .

1174 - قال أبو عمر : قد أجمعوا أن ليس على المتيمم أن يمسح ما تحت عارضيه فقضى إجماعهم في ذلك على مراد الله منه ، لأن الله أمر المتيمم بمسح وجهه ، كما أمر المتوضئ بغسله .

[ ص: 16 ] 1175 - وقال أحمد بن حنبل : غسل الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن وإلى أصول الأذنين ، ويتعاهد البياض الذي بين العارض والأذن .

1176 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض الذي بين العذار والأذن - من الوجه ، وغسله واجب .

1177 - قال أبو عمر : في اختلاف العلماء بالمدينة وغيرها قديما فيما أقبل من الأذنين هل هو من الرأس أو من الوجه ما يوضح أن البياض الذي بين الأذنين والعارض من الوجه .

1178 - وسأذكر اختلاف العلماء في الأذنين في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

1179 - قرأت على محمد بن عبد الله بن حكم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال ، حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة قال ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال ، حدثنا قيس بن الربيع عن جابر بن هرمز قال : سمعت عليا يقول ابلغ بالوضوء مقاص الشعر .

1180 - واختلف في تخليل اللحية والذقن ، فذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء .

1181 - وقال مالك ، وأكثر أصحابه ، وطائفة من أهل المدينة : ولا في غسل الجنابة .

[ ص: 17 ] 1182 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أن الجنب يخلل لحيته ، ويستحب ذلك له ، وليس ذلك على المتوضئ .

1183 - قال : وكان رسول الله يخلل أصول شعره في غسله من الجنابة .

1184 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود ، والطبري ، " ومن قال بقوله " : تخليل اللحية في غسل الجنابة واجب ، وهذا على من احتاج إلى ذلك لكثرة شعره ليصل الماء إلى بشرته .

1185 - وأظن مالكا ومن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع من وصول الماء .

1186 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال : ويحرك اللحية في الوضوء إن كانت كثيرة ، ولا يخللها .

1187 - قال : وأما في الغسل فليحركها وإن صغرت ، وتخليلها أحب إلينا .

1188 - وذكر ابن القاسم عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها .

[ ص: 18 ] 1189 - قال : وهي مثل أصابع الرجل ، يعني أنها لا تخلل .

1190 - وقال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل .

1191 - وروى أبو فروة موسى بن طارق قال : سمعت مالكا يذكر تخليل اللحية فيقول : يكفيها ما مسها من الماء مع غسل الوجه ، ويحتج في ذلك بحديث عبد الله بن زيد : لم يذكر فيه تخليل اللحية .

1192 - وقال الأوزاعي : ليس تحريك اللحية وتخليل العارضين بواجب .

1193 - وقال ابن خواز بنداذ : اتفق الفقهاء على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء ، إلا شيئا روي عن سعيد بن جبير .

1194 - قال أبو عمر : الذي روى عن سعيد بن جبير قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت ، فإذا نبتت لم يغسلها ؟ وما بال الأمرد يغسل ذقنه ، ولا يغسله ذو اللحية ؟ .

1195 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كلها ضعيفة .

1196 - وأما الصحابة والتابعون فروي عن جماعة منهم تخليل اللحية وأكثرهم لم يفرقوا بين الوضوء والجنابة . وروي عن جماعة منهم الرخصة في ترك تخليل اللحية .

1197 - وإيجاب غسل ما تحت اللحية مع الاختلاف فيه دون دليل قاطع فيه لا يصح ، ومن احتاط فخلل لم يعب .

[ ص: 19 ] 1198 - قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح اللحية ، ثم سقط بعد هذا عندهم جميعهم ، فكذلك الوضوء .

1199 - وأما ما انسدل من اللحية فذكر عن سحنون ، عن ابن القاسم ، قال : سمعت مالكا يسأل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول : إن اللحية من الوجه . . . . . الماء ؟ قال : نعم . قال : وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله .

1200 - قيل لسحنون : أرأيت من غسل وجهه ولم يمر الماء على لحيته ؟ قال : هو بمنزلة من لم يمسح رأسه ، وعليه الإعادة .

1201 - واختلف قول الشافعي فيما انسدل من شعر اللحية ، فقال مرة : أحب إلي أن يمر الماء على ما سقط من اللحية على الوجه ، فإن لم يفعل ففيها قولان : يجزئه في أحدهما ، ولا يجزئه في الآخر لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه - من الوجه . يعني بقوله : ما سقط : ما انسدل .

1202 - قال أبو عمر : من جعل غسل ما انسدل من اللحية واجبا جعلها وجها ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا ، لم يخص صاحب لحية من أمرد ، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله ، لأن الوجه مأخوذ من المواجهة وغير ممتنع أن تسمي اللحية وجها فوجب غسلها لعموم الظاهر .

1203 - ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله بشرة الوجه ، وإنما وجب غسل اللحية لأنها ظهرت فوق البشرة حائلة دونها ، وصارت البشرة باطنا ، وصار الظاهر هو شعر اللحية ، فوجب [ ص: 20 ] غسلها بدلا من البشرة . وما انسدل من اللحية ليس لحية فما يلزم غسله ، فيكون غسل اللحية بدلا منه ، كما أن جلد الرأس مأمور بغسله أو مسحه ، فلما نبت الشعر ناب مسح الشعر عن مسح جلدة الرأس ، لأنه ظاهر ، فهو بدل منه . وما انسدل من الرأس وسقط فليس تحته بشرة يلزم مسحها . ومعلوم أن الرأس المأمور بمسحه ما علا ونبت فيه الشعر ، وما سقط من شعره وانسدل فليس برأس ، وكذلك ما انسدل من اللحية ليس ، بوجه والله أعلم .

1204 - ولأصحاب مالك أيضا في هذه المسألة قولان كأصحاب الشافعي سواء ، والله أعلم .

1205 - وأما غسل اليدين فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد هذا : " أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - غسلهما مرتين مرتين إلى المرفقين " .

1206 - وجاء عن عثمان وعلي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه غسلهما ثلاثا ثلاثا ، وهو أكمل الوضوء وأتمه .

1207 - وروى ابن عباس أنه توضأ مرة مرة ، وهو أقل ما يجزئ إذا كانت سابغة . وقد مضى القول في هذا المعنى .

[ ص: 21 ] 1208 - وقد أجمعوا على أن الأفضل أن يغسل اليمنى قبل اليسرى ، وأجمعوا على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يتوضأ ، وكان - عليه السلام - يحب التيامن في أمره ، كما في طهوره وغسله وغير ذلك من أموره .

1209 - وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل اليمنى أنه لا إعادة عليه .

1210 - وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا : لا نبالي بأي ذلك بدأنا .

1211 - قال معن بن عيسى : سألت عبد العزيز بن أبي [ ص: 22 ] سلمة عن إجالة الخاتم عند الوضوء . قال : إن كان ضيقا فأجله ، وإن كان واسعا فأقره .

[ ص: 23 ] 1212 - قال : وقال مالك ليس عليه ذلك .

1213 - وقال محمد بن عبد الحكم كقول محمد بن أبي سلمة .

1214 - وأما إدخال المرفقين في الغسل فعلى ذلك أكثر العلماء ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة ، وأصحابه .

1215 - إلا زفر ، فإنه اختلف عنه في ذلك : فروي عنه أنه يجب غسل المرافق مع الذراعين ، وروي عنه أنه لا يجب ذلك . وبه قال الطبري ، وبعض أصحاب مالك المتأخرين ، وبعض أصحاب داود .

1216 - فمن أوجب غسلها حمل قوله : " وأيديكم إلى المرافق " [ المائدة : 6 ] على أن " إلى " هاهنا بمعنى الواو ، أو بمعنى مع ، فتقدير قوله ذلك عندهم : وأيديكم والمرافق أو مع المرافق .

[ ص: 24 ] 1217 - واحتج بعضهم بقوله تعالى : " من أنصاري إلى الله " [ الصف : 14 ] ، أي مع الله .

1218 - وقوله : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " [ النساء : 2 ] ، أي مع أموالكم .

1219 - وأنكر بعض أهل اللغة أن تكون ( إلى ) بمعنى الواو ، وبمعنى ( مع ) .

1220 - وقال : لو كان كذلك لوجب غسل اليدين من أطراف الأصابع إلى أصل الكتف .

1221 - وقال : لا يجوز أن تخرج ( إلى ) عن معناها ، وذلك أنها بمعنى الغاية أبدا .

1222 - وقال : جائز أن تكون ( إلى ) هاهنا بمعنى الغاية ، وتدخل المرافق في الغسل ؛ لأن الثاني إذا كان من الأول كان ما بعد ( إلى ) داخلا فيما قبله ، فدخلت المرافق في الغسل لأنها من اليدين ، ولم يدخل الليل في الصيام بقوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " [ البقرة : 187 ] ؛ لأن الليل ليس من النهار ، كأنه يقول : ما كان من الجنس دخل الحد منه في المحدود ، وما لم يكن من الجنس لم يدخل في المحدود منه حده .

1223 - ومن لم يوجب غسلها حمل ( إلى ) على الغاية ، كقوله : و " أتموا الصيام إلى الليل " . وليس بشيء مما قدمنا من الحجة لقول الجمهور الذين لا يجوز عليهم جهل التأويل ولا تحريفه ، لأن القائلين بسقوط إدخال المرفقين في غسل الذراعين قليل ، وقولهم في ذلك كالشذوذ . ومن غسل المرفقين مع الذراعين فقد أدى فرضه بيقين ، واليقين في أداء الفرائض واجب .

[ ص: 25 ] 1224 - وأما المسح بالرأس فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن وعمل أكمل ما يلزمه .

[ ص: 26 ] 1225 - على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير لا يقصد إلى إسقاطه متجاوز عنه لا يضر المتوضئ .

1226 - وجمهورهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة موعبة كاملة لا يزيد عليها ، إلا الشافعي فإنه قال : من توضأ ثلاثا مسح رأسه ثلاثا على ظاهر الحديث في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا .

1227 - وفي بعض الروايات عن عثمان في صفة وضوء رسول الله : ثم يمسح رأسه ثلاثا .

[ ص: 27 ] 1228 - وأكثرها على مرة واحدة .

1229 - وروي مسح الرأس ثلاثا عن أنس بن مالك ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وغيرهم .

1230 - وكان ابن سيرين يقول : يمسح رأسه مرتين . وكان مالك يقول في مسح الرأس : يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ، ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد .

1231 - قال : وهو أبلغ ما سمعت في مسح الرأس وهو قول الشافعي في أن حديث عبد الله بن زيد أحسن ما جاء في مسح الرأس .

1232 - وروي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ويدير ويعيد إلى حيث بدأ .

1233 - وفي حديث عبد الله بن زيد : " بدأ بمقدم رأسه " وهو الذي ينبغي أن يمتثل ويحمل عليه .

1234 - وروى معاوية ، والمقدام بن معدي عن النبي - عليه السلام : [ ص: 28 ] " ثم يمسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر " . فقد توهم بعض الناس أنه بدأ بمؤخر رأسه لقوله : " فأقبل بهما " ، وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر ، وهذه كلها ظنون .

1235 - وفي قوله : " بدأ بمقدم رأسه " ما يرفع الإشكال لمن امتثل نفسه ، لأنه مفسر لقوله : " فأقبل بهما وأدبر " .

1236 - وهو كلام يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير ، كأنه قال : فأدبر بهما وأقبل ، والواو لا توجب رتبة ولا تعقيبا .

1237 - وإذا احتمل الكلام التأويل كان قوله : " بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه " يوضح ما أشكل من ذلك .

1238 - وهذا كله معنى قول مالك .

1239 - وأما قول الحسن بن حي : يبدأ من مؤخر رأسه فإنه قد روي [ ص: 29 ] في حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها وصفت وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : " ومسح رأسه مرتين ، بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه ظهورهما وبطونهما " .

1240 - وقد ذكرنا علة إسناده في " التمهيد " .

1241 - وأجمع العلماء أن من عم رأسه بالمسح فقد أدى ما عليه ، وأتى بأكمل شيء فيه ، وسواء بدأ بمقدم رأسه أو بوسطه أو بمؤخره ، وإن كان لم يفعل ما استحب منه .

[ ص: 30 ] 1242 - واختلف الفقهاء فيمن مسح بعض رأسه :

1243 - فقال مالك : الفرض مسح جميع الرأس ، فإن ترك شيئا منه كان كمن ترك غسل شيء ، من وجهه . هذا هو المعروف من مذهب مالك .

1244 - وهو مذهب ابن علية . قال ابن علية : قد أمر الله تعالى بمسح الرأس في الوضوء كما أمر بمسح الوجه في التيمم ، وأمر بغسله في الوضوء .

1245 - وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء ولا مسح بعضه في التيمم .

1246 - وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح كله ، ولم يقل أحد : إن مسح بعضه سنة ، وبعضه فريضة فدل على أن مسحه كله فريضة .

1247 - واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا على وجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى : " وليطوفوا بالبيت العتيق " [ الحج : 29 ] ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه ، فكذلك مسح الرأس .

1248 - والمعنى في قوله : " وامسحوا برءوسكم " أي : امسحوا رؤوسكم . ومن مسح بعض رأسه فلم يمسح رأسه .

1249 - واختلف أصحاب مالك في ذلك : فقال أشهب : يجوز مسح بعض الرأس .

1250 - وذكر أبو الفرج ، قال : اختلف متأخرو أصحابنا في ذلك ، فقال بعضهم ، لا بد أن يمسح كل الرأس أو أكثره وإذا مسح أكثره أجزأه .

1251 - قال : وقال آخرون : إذا مسح الثلث فصاعدا أجزأه .

[ ص: 31 ] 1252 - قال : وهذا أشبه القولين عندي وأولاهما من قبل أن الثلث فما فوقه قد جعله مالك في حيز الكثير في غير موضع من كتبه ومذهبه .

1253 - وزعم الأبهري أنه لم يقل أحد من أصحاب مالك ما ذكره [ ص: 32 ] أبو الفرج عنهم ، فإن المعروف لمحمد بن مسلمة ومن قال بقوله : أن الممسوح من الرأس إن كان المتروك الأقل جاز على أصل مالك في أن الثلث عنده قدر يسير في كثير من مسائله .

1254 - قال أبو عمر : ما ذكره أبو الفرج والأبهري عن محمد بن مسلمة كلاهما خارج عن أصول مالك في الثلث ، فمرة يجعله حدا في اليسير ، ومرة في الكثير .

1255 - وأما الشافعي فقال : الفرض مسح بعض الرأس . وقال : احتمل قوله عز وجل : " وامسحوا برءوسكم " مسح بعض الرأس ومسح جميعه ، فدلت السنة على أن يجزئ .

[ ص: 33 ] 1256 - وقال في موضع آخر من كتابه : فإن قيل : مسح الوجه في التيمم يدل على عموم غسله ، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه . ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما بينهما .

1257 - قال أبو عمر : السنة التي ذكر الشافعي أنها دلت على أن مسح بعض الرأس يجزئ هي مسحه بناصيته - عليه السلام - . والناصية مقدم الرأس فقط .

1258 - جاء ذلك في آثار كثيرة ، منها ما أخبرناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ، حدثنا أحمد بن زهير قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عمرو بن وهب قال : كنا عند المغيرة بن شعبة فقال : " مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناصيته .

1259 - وقد روى بكر المزني ، عن الحسن ، عن ابن المغيرة ، عن أبيه عن النبي - عليه السلام - مثله .

[ ص: 34 ] 1260 - ومن حديث أنس عن النبي - عليه السلام - مثله .

1261 - ذكرهما أبو داود . وقد ذكرتهما بإسنادهما في التمهيد .

1262 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن مسح المتوضئ بعض رأسه أجزأه ، ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره .

1263 - واختلف أصحاب داود : فقال بعضهم : مسح الرأس كله واجب فرضا كقول مالك ، وقال بعضهم : المسح ليس شأنه الاستيعاب في لسان العرب والبعض يجزئ .

1263 - وقال الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد : يجزئ مسح بعض الرأس ، ويمسح المقدم . وهو قول داود وأحمد .

1264 - وقد قدمنا عن جميعهم أن مسح جميع الرأس أحب إليهم .

1265 - وكان ابن عمر ، وسلمة بن الأكوع يمسحان مقدم رءوسهما .

[ ص: 35 ] 1267 - وعن جماعة من التابعين إجازة مسح بعض الرأس ، ذكر ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق .

1268 - وقال أبو حنيفة : إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فيما زاد أجزأه ، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزه .

1269 - وقال الثوري ، والشافعي : إن مسح بإصبع واحد أجزأه ، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزئه .

1270 - واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على أن الرأس يجزئ مسحه إلا بماء جديد يأخذه له المتوضئ ، كما يأخذه لسائر الأعضاء .

1271 - ومن مسح رأسه بما فضل من البلل في يديه من غسل ذراعيه لم يجزه .

1272 - وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين : يجزئه .

1273 - وذكر ابن حبيب ، عن ابن الماجشون أنه قال : إذا نفد الماء عنه مسح رأسه ببلل لحيته ، واختاره ابن حبيب .

1274 - والمرأة عند جميع الفقهاء في مسح رأسها كالرجل سواء ، كل مما أصله .

1275 - وأما غسل الرجلين ففي حديث عبد الله بن زيد هذا : " ثم غسل رجليه " ولم يجر .

[ ص: 36 ] 1276 - وفي حديث عثمان وعلي إذ وصفا وضوء رسول الله في بعض الروايات عنهما : " ثم غسل رجليه ثلاثا " ، وفي بعضها : " ثم غسل رجليه حتى أنقاهما " ، وفي بعضها : " ثم غسل رجليه " فقط .

1277 - وأجمع العلماء أن غسلة واحدة في الرجلين وسائر أعضاء الوضوء تجزئ إذا كانت سابغة . وإذا أجزأت المرة الواحدة في الوجه والذراعين فأحرى أن تجزئ في الرجلين ؛ لأنهما عند بعض العلماء ممسوحتان ، وهما في التيمم مع الرأس يسقطان .

1278 - والقول عند العلماء في دخول الكعبين في غسل الرجلين كهو في المرفقين مع الذراعين ، كل على أصله .

1279 - وسنبين ما في ذلك كله للعلماء في هذا الباب عند قوله ، عليه السلام : " ويل للأعقاب من النار " إن شاء الله .

1280 - ويأتي ذكر الأذنين وحكمهما في بابهما من هذا الكتاب بحول الله وعونه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث