الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا تقرر وجوب أخذ الجزية من الكفار ، لإقرارهم على الكفر في مأخوذة من بعضهم دون جميعهم .

واختلف في المأخوذ منهم على أربعة مذاهب :

أحدها : - وهو مذهب الشافعي - أنها تؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ، ولا تؤخذ من غير أهل الكتاب عربا ولا عجما ، فاعتبرها بالأديان دون الأنساب .

والثاني : - على ما قاله أبو حنيفة - بأنها تؤخذ من جميع أهل الكتاب ، ومن عبدة الأوثان إذا كانوا عجما ، ولا تؤخذ منهم إذا كانوا عربا .

والثالث : - ما قاله مالك - إنها تؤخذ من كل كافر من كتابي ، ووثني ، وعجمي ، وعربي ، إلا من كفار قريش ، فلا تؤخذ منهم ، وإن دانوا دين أهل الكتاب .

والمذهب الرابع : - ما قاله أبو يوسف - إنها تؤخذ من العجم سواء كانوا أهل كتاب أو عبدة أوثان ، ولا تؤخذ من العرب سواء كانوا من أهل الكتاب أو من عبدة الأوثان ، فجعلها معتبرة بالأنساب دون الأديان ، فصار الخلاف مع الشافعي في حكمين :

أحدهما : في عبدة الأوثان ، فعند الشافعي لا تقبل جزيتهم ، وعند غيره تقبل .

والثاني : في العرب ، فعند الشافعي تقبل جزيتهم ، وعند غيره لا تقبل .

فأما الحكم الأول في عبدة الأوثان ، فاستدل من ذهب إلى قبول جزيتهم بحديث سليمان بن بريدة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعثه على جيش قال له : ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ولم يفرق بين عبدة الأوثان وأهل الكتاب ، وإن كان أكثرهم عبدة أوثان ، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من المجوس وليس لهم [ ص: 285 ] كتاب ، فكذلك عبدة الأوثان ، ولأنه استذلال يجوز في أهل الكتاب ، فجاز في عبدة الأوثان كالقتل .

ودليلنا قوله تعالى : من الذين أوتوا الكتاب ، [ التوبة : 29 ] . فجعل الكتاب شرطا في قبولها منهم ، فلم يجز لعدم الشرط أن تقبل من غيرهم .

وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المجوس : سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، فدل على اختصاص الجزية بهم .

وروى عمرو بن شعيب - عن أبيه - عن جده - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب ، فخصهم بالذكر لاختصاصهم بالحكم ولأنه وثني فلم يقر على حكمه بالجزية كالعربي ، ولأن من لم يقر بالجزية من العرب لم يقر بها من العجم كالمرتد ، ولأن لأهل الكتاب حرمتين .

إحداهما : حرمة الكتاب الذي نزل عليهم .

والثانية : حرمة دين الحق الذي كانوا عليه .

وهاتان الحرمتان معدومتان في عبدة الأوثان ، فافترقا في حكم الإقرار بالجزية .

فأما الجواب عن حديث ابن بريدة ، فمن وجهين :

أحدهما : تخصيص عمومه بأدلتنا .

والثاني : أنه لا يصح التعلق بظاهره حتى يقرن به إضمار ، فهم يضمرون أخذ الجزية منهم إذا كانوا عجما ، ونحن نضمر أخذ الجزية منهم إذا كانوا أهل كتاب ، ولو تكافأ الإضماران سقط الدليل ، واختيارنا أولى لثبوت حكمه عن إجماع .

وأما الجواب عن أخذها من المجوس ، فهو ما سنذكره من بعد في أن لهم كتابا .

وأما قياسهم على القتل ، فغير صحيح لأمرين :

أحدهما : أن القتل لا يبقى معه إقرار على الكفر ، وفي الجزية إقرار على الكفر فافترقا .

والثاني : أن القتل أغلظ من الجزية ، فلم يجز أن يلحق به ما هو أخف منه إذا كان محمولا على التغليظ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث