الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المهادنة على النظر للمسلمين ونقض ما لا يجوز من الصلح

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " ولا يجوز عشور ما زرعوا لأنه مجهول " .

قال الماوردي : وهذا على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن تكون الأرض قد صارت ملكا للمسلمين ، وهي دار الإسلام ، وهم [ ص: 372 ] فيها أهل ذمة يلزمهم خراج الأرض وجزية الرءوس ، فلا يجوز الاقتصار منهم على عشور ما زرعوا : لأن عليهم حقين : الخراج ، والجزية ، فإن جعل العشر خراجا بقيت الجزية ، وكان الخراج فاسدا : لأنه أجرة لا تصح إلا معلومة ، وهذه مجهولة : لأنهم قد يزرعون ولا يزرعون ، ويكون زرعهم قليلا أو كثيرا .

وإن جعل العشر جزية بقي الخراج ، وكانت الجزية فاسدة لما ذكرنا من الجهالة بها .

والقسم الثاني : أن تكون الأرض لهم ، وهي دار حرب ، وهم فيها أهل عهد ، فيجوز أن يصالحوا على عشور ما زرعوا : لأنه لا خراج على أرضهم لبقائها على ملكهم . ولا جزية على رءوسهم لمقامهم في دار الحرب ، فيصير عشر زرعهم مال صلح ليس بخراج ، ولا جزية ، فجاز قليله وكثيره في العلم به ، والجهل : لأنه مال تطوع .

والقسم الثالث : أن تكون الأرض باقية على ملكهم ، وهي دار الإسلام : لأنهم فيها أهل ذمة تلزمهم جزية رءوسهم ، ولا يلزمهم خراج أرضهم ، فيكون صلحهم على عشور ما زرعوا والجزية عن الرءوس ، فقد قال الشافعي : لا يجوز : لأنه مجهول .

فاختلف أصحابنا في وجه فساده على ثلاثة أوجه :

أحدها : وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لم يجز : لأنه لم يعلم هل يفي أقله بقدر الجزية أو لا يفي ، فإن علم أنه يفي بقدر الجزية جاز .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يجوز إذا كان لهم مكسب غير الزرع : لجواز أن لا يزرعوا ، فإن لم يكن لهم كسب غير الزرع جاز : لأنهم لا يدعونه إلا من ضرورة .

والوجه الثالث : وهو الأصح أنه لا يجوز إذا لم يضمنوا تمام الجزية عند قصوره أو فواته .

ويجوز إن ضمنوا تمام ما قصر أو فات : لأن قدر الجزية إذا تحقق حصوله لم تؤثر الجهالة فيما عداه من الطوع ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث