الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " فلا تقبل ممن بدل يهودية بنصرانية ، أو نصرانية بمجوسية ، أو مجوسية بنصرانية ، أو بغير الإسلام وإنما أذن الله بأخذ الجزية منهم على ما دانوا قبل محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده [ ص: 375 ] فإن أقام على ما كان عليه وإلا نبذ إليه عهده ، وأخرج من بلاد الإسلام بماله : وصار حربا ، ومن بدل دينه من كتابية لم يحل نكاحها ( قال المزني ) - رحمه الله - : قد قال في كتاب النكاح ، وقال في كتاب الصيد : والذبائح إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهي حلال ، وهذا عندي أشبه ، وقال ابن عباس : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ( قال المزني : ) فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده سواء عندي في القياس ، وبالله التوفيق .

قال الماوردي : وصورتها أن ينتقل أهل الذمة في الإسلام من دين إلى دين ، فذلك ضربان :

أحدهما : أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله .

والثاني : إلى دين لا يقر عليه أهله .

فأما الضرب الأول ، وهو أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله كمن بدل يهودية بنصرانية ، أو بمجوسية ، أو بدل نصرانية بيهودية ، أو مجوسية ، أو بدل مجوسية بيهودية ، أو نصرانية ، ففي إقراره على ذلك قولان :

أحدهما : إنه يقر عليه ، وهو قول أبي حنيفة والمزني : لأن الكفر كله ملة واحدة يتوارثون بها مع اختلاف معتقدهم ، فصاروا في انتقاله فيه من دين إلى دين ، كانتقال المسلمين من مذهب إلى مذهب .

والقول الثاني : وهو أظهر أنه لا يقر عليه : لقول الله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [ آل عمران : 185 ] ، ولأنه لما كان الوثني إذا انتقل إلى نصرانية لم يقر ، والنصراني إذا انتقل إلى وثنية لم يقر ، وجب إذا انتقل النصراني إلى يهودية أن لا يقر : لأن جميعهم منتقل إلى دين ليس بحق .

فإذا تقرر القولان ، فإن قيل بالأول أنه مقر في انتقاله لم يخل حاله فيما انتقل إليه من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون مكافئا لدينه كيهودي تنصر أو نصراني تهود ، فأصل هذين الدينين سواء في جميع الأحكام ، ولا يختلف حكمهما بانتقاله من أحد الدينين إلى الآخر إلا في قدر الجزية ، فتصير جزيته جزية الدين الذي انتقل إليه دون جزية الدين الذي انتقل عنه سواء كانت أقل أو أكثر .

والقسم الثاني : أن يكون الدين الذي انتقل إليه أخف حكما من الدين الذي كان عليه ، كنصراني تمجس ، فينتقل عن أحكامه في الجزية والمناكحة والذبيحة والدية إلى أحكام الدين الذي انتقل إليه ، فتقبل جزيته ، ولا تحل مناكحته ، ولا تؤكل ذبيحته ، وتكون ديته ثلثي عشر دية المسلم بعد أن كانت نصفها كالمجوس في أحكامه كلها ، [ ص: 376 ] فيصير بذلك منتقلا من أخف الأحكام إلى أغلظها .

والقسم الثالث : أن يكون الدين الذي انتقل إليه أعلى حكما من الدين الذي كان عليه كمجوسي تنصر ، ففيه وجهان :

أحدهما : أنه يجري عليه حكم الدين الذي انتقل إليه لإقراره عليه في إباحة المناكحة والذبيحة ، وقدر الدية ، فيصير منتقلا من أغلظ الأحكام إلى أخفها .

والوجه الثاني : أنه يجري عليه أحكام الدين الذي كان عليه في تحريم مناكحته وذبيحته وقدر ديته تغليبا لأحكام التغليظ لما تقدم من حرماتها عليه ، كالمشكوك في دينه من نصارى العرب .

وإن قيل بالقول الثاني : أنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه وجب أن يؤخذ جبرا بالانتقال عنه إلى دين يؤمر به : وفي الدين الذي يؤمر بالانتقال إليه قولان :

أحدهما : دين الإسلام أو غيره : لأنه انتقل إلى دين قد كان مقرا ببطلانه ، وانتقل عن دين هو الآن مقر ببطلانه ، فلم يجز أن يقر على واحد من الدينين ، لإقراره ببطلانهما ، فوجب أن يؤخذ بالرجوع إلى دين الحق ، وهو الإسلام .

والقول الثاني : أنه إن انتقل إلى دين الإسلام أو إلى دينه الذي كان عليه أقر عليه ، فنزل لأننا كنا قد صالحناه على الأول على دينه ، وإن كان عندنا باطلا فجاز أن يعاد إليه ، وإن كان عنده باطلا ، فعلى هذا اختلف أصحابنا في صفة دعائه إلى دينه الذي كان عليه على وجهين :

أحدهما : ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي أننا ندعوه إلى العود إلى الإسلام ، ولا يجوز أن يدعى إلى العود إلى الكفر ، فإن عاد إلى دينه في الكفر أقر عليه : لأن الدعاء إلى الكفر معصية ، ويجوز إذا لم يعلم أنه يقر على دينه الذي كان عليه أن يقال له : نحن ندعوك إلى الإسلام ، فإن عدت إلى دينك الذي كنت عليه أقررناك .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة : أننا ندعوه ابتداء إلى الإسلام وإلى دينه الذي كان عليه ، ولا يكون ذلك أمرا بالعود إلى الكفر : لأنه إخبار عن حكم الله تعالى ، فلم يكن أمرا بالكفر ، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى الشهادة أو الجزية ، فلم يكن ذلك منه أمرا بالمقام على الكفر ، ولكنه إخبار عن حكم الله فيهم ، فإذا توجه القولان فيما يؤمر بالعود إليه ، فإن عاد إلى الدين المأمور به أقر عليه ، وإن لم يعد إليه ففيما يلزم من حكمه قولان :

أحدهما : وهو الذي نقله المزني هاهنا أنه ينبذ إليه عهده ، ويبلغ مأمنه ، ثم يكون حربا لأن له أمانا على الكفر ، فلزم الوفاء به ، فعلى هذا يجوز تركه : ليقضي [ ص: 377 ] أشغاله ونقل ماله ، ولا يتجاوز به أكثر من أربعة أشهر ، فإذا بلغ أدنى مأمنه بذريته وماله صار حربا .

والقول الثاني : أنه يصير في حكم المرتد : لأن ذمته ليست بأوكد من ذمة الإسلام ، فعلى هذا يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل صبرا بالسيف ، وفي الانتظار بقتله ثلاثا ، قولان : ويكون أمان ذريته باقيا ، وأما ماله ، فيكون فيئا لبيت المال ، ولا يورث عنه : لأن من قتل بحكم الردة لم يورث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث