الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " ولو قال : اكتبوا بثلثي التوراة والإنجيل فسخته لتبديلهم قال الله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم الآية .

قال الماوردي : وهذا صحيح . الوصية بكتب التوراة والإنجيل باطلة ، سواء كان الموصي بها مسلما أو ذميا ، وتصح عند قوم استدلالا بأمرين :

أحدهما : أنها من كتب الله المنقولة ، بالاستفاضة ، فاستحال فيه التبديل كالقرآن .

والثاني : أن التبديل وإن ظهر منهم ، فقد كان في حكم التأويل ، ولم يكن في لفظ التنزيل ، والله تعالى قد أخبر عنهم ، وخبره أصدق أنهم بدلوا كتبهم ، فقال تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا [ البقرة : 79 ] . وقال تعالى : يحرفون الكلم عن مواضعه [ النساء : 46 ] . فأخبر أنهم قد نسبوا إليه ما ليس منه ، وحرفوا عنه ما هو منه ، وهذا صريح في تبديل المعنى واللفظ ، وإذا كان مبدلا كانت تلاوته معصية لتبديله ، لا لنسخه ، فإن في القرآن منسوخا يتلى كتلاوة الناسخ ، وإذا كانت تلاوته معصية كانت الوصية بالمعصية باطلة .

[ ص: 394 ] فأما قولهم ، إنه مستفيض النقل ، فاستحال فيه التبديل ، فالجواب عنه : أن الاستفاضة شرطان :

أحدهما : أن ينقله جم غفير ، وعدد كثير ينتفي عنهم التواطؤ ، والتساعد على الكذب والتغيير .

والثاني : أنه يستوي حكم طرفي النقل ووسطه .

وهذا ، وإن وجد فيه أحد الشرطين من كثرة العدد ، فإنه لم يوجد فيه الشرط الثاني في استواء الطرفين والوسط : لأن التوراة حين أحرقها بختنصر : اجتمع عليها أربعة من اليهود لفقوها من حفظهم ، ثم استفاضت عنهم ، فخرجت عن حكم الاستفاضة .

فإن قيل : فهذا يعود على القرآن في استفاضة نقله : لأن الذي حفظه من الصحابة ستة ، فلم توجد الاستفاضة في طرفيه ووسطه .

قيل : لئن كان الذي يحفظ جميع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة ، فقد كان أكثر الصحابة يحفظون منه سورا أجمعوا عليها ، واتفقوا على صحتها فوجدت الاستفاضة فيهم بانضمامهم إلى الستة .

وقولهم : إنهم غيروا التأويل دون التنزيل : لأنهم قد أنكروا تغيير التأويل كما أنكروا تغيير التنزيل ولم يكن إنكارهم حجة في تغيير التأويل ، وكذلك لا يكون حجة في تغيير التنزيل : لأن الله تعالى قد أخبر أنهم غيروه ، فاقتضى حمله على عموم الأمرين من غير تخصيص .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث