الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا ثبت هذا فالنذور المحضة ضربان : مجازاة ، وتبرر .

فأما المجازاة : فهو ما عقده الناذر على نفسه من طاعة يفعلها مجازاة على ما يرجو من نفع ، أو يستدفعه من ضر فجعله شرطا وجزاء .

فالشرط ما طلب والجزاء ما بذل ، والشرط المطلوب على ثلاثة أضرب : طاعة ومباح ومعصية .

[ ص: 465 ] والجزاء المبذول على ثلاثة أضرب : طاعة ومباح ومعصية .

فأما ضروب الشرط المطلوب فالطاعة منه أن يقول في الرجاء إن رزقني الله الحج ، أو فتح على يدي بلاد أعدائه ، فله علي كذا .

ويقول في الخوف : إن كفاني الله ظفر أعدائه بي ، أو دفع عني ما يقطعني عن صلاتي وصيامي فله علي كذا .

فهذا نذر منعقد والوفاء به واجب .

والمباح أن يقول في الرجاء : إن رزقني الله ولدا أو مالا فله علي كذا .

ويقول في الخوف : إن شفى الله مريضي أو سلمني في سفري فله علي كذا .

فهذا نذر منعقد والوفاء به واجب .

والمعصية أن يقول في الرجاء : إن ظفرت بقتل فلان ، أو زنيت بفلانة فلله علي كذا .

ويقول في الخوف : إن لم أدفع عن قطع الطريق ، ولم أمنع من شرب الخمر ، فلله علي كذا .

فهذا نذر باطل ، والوفاء به غير واجب ، لما رواه الشافعي عن سفيان ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن الحصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نذر في معصية الله ، ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولأن الشرع لما منع من انعقاد المعصية ، أسقط ما قابلها من الجزاء ، وإن لم يكن معصية .

وأما ضرب الجزاء المبذول ، فالطاعة منها أن يقول : إن كان كذا فلله علي أن أصلي ، أو أصوم ، أو أحج ، أو أعتكف ، أو أتصدق ، فهذا جزاء ينعقد به الشرط المباح ، ويلتزم فيه الوفاء .

وأما المباح فهو أن يقول : إن كان كذا ، فلله علي أكل لذيذ ، ولبس جديد إن أثبت ، أو لا أكلت لذيذا ، ولا لبست جديدا ، إن نفى ، فهذا جزاء لا ينعقد به الشرط ، ولا يلزم فيه الوفاء ؛ لأنه خارج عن العرف المقصود بطاعة الله تعالى .

روى عكرمة عن ابن عباس قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذ هو برجل قائم في [ ص: 466 ] الشمس فسأل عنه فقالوا : هذا أبو إسرائيل نذر أن يصوم ولا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم فقال : مروه فليتكلم ، وليستظل وليقعد وليتم صومه فأسقط عنه ما لا طاعة فيه ، وأمره بالتزام ما فيه طاعة .

وروى ابن عون حديثا أسنده أن رجلا حج مع ذي قرابة مقترنا به فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما هذا ؟ قيل : إنه نذر فأمر بالقران أن يقطع ؛ لأنه لما لم يكن في الاقتران طاعة لله أسقطه من نذره ، والمعصية أن يقول : إن كان كذا قبلت فلانا ، أو زنيت بفلانة ، إن أثبت ، أو لا صليت ، ولا صمت إن نفى ، فهذا جزاء باطل ، وهو عندنا باعتقاده عاص ، فصار شرط النذر منعقدا بنوعين بطاعة ، ومباح ، وغير منعقد بنوع واحد وهو المعصية ، وصار الجزاء لازما بنوع واحد وهو الطاعة وغير لازم بنوعين ، وهما المباح والمعصية .

فعلى هذا إذا قال : إن هلك فلان ؛ وهبت داري لفلان فإن كان الهالك من أعداء الله ، انعقد به الشرط ؛ لأنه طاعة ، وإن لم يكن من أعدائه ، لم ينعقد به الشرط ؛ لأنه معصية وإن كان الموهوب له ممن يقصد بهبته الأجر والثواب لزم به الجزاء ؛ لأنه طاعة ، وإن كان ممن يقصد بهبته التواصل والمحبة لم يلزم به الجزاء ؛ لأنه مباح ولو قال : إن سلم الله مالي وهلك مال فلان أعتقت عبدي وطلقت امرأتي انعقد نذره على سلامة ماله ، ولم ينعقد على هلاك مال فلان ؛ لأن ما شرطه من سلامة ماله مباح ، وما شرطه من هلاك مال غيره معصية ، ولزمه في الجزاء عتق عبده ، ولم يلزمه طلاق امرأته ؛ لأن الجزاء بالعتق طاعة ، والجزاء بالطلاق مباح .

ولو جعل ذلك شرطا في وقوع العتق والطلاق فقال : إن سلم الله مالي وهلك مال فلان ، فامرأتي طالق وعبدي حر ، انعقد الشرطان ، ووقع بهما العتق والطلاق ، وصار شرط المعصية معتبرا كشرط الطاعة والجزاء فيه بمباح الطلاق واقع كوقوعه بمستحب العتق ؛ لأنه صار خارجا عن أحكام النذور إلى وقوع العتق والطلاق بالصفات ، ثم نجعل ما ذكرناه قياسا مستمرا في نذر المجازاة .

وأما نذر التبرر فهو أن يقول مبتدأ لله علي كذا فيبتدئ بالتزام ما ليس بلازم ، فهو نوعان : طاعة ، وغير طاعة .

فأما الطاعة التي يقصد بها التقرب إلى الله عز وجل ، فهو أن يقول : لله علي أن أحج ، أو أعتمر ، أو أصلي ، أو أصوم ، أو أعتكف ، أو أتصدق بمالي ، أو ما جرى مجرى هذا من أنواع القرب ، فقد اختلف أصحابنا في انعقاد نذره ، ووجوب الوفاء به على وجهين :

[ ص: 467 ] أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج ، وأبي سعيد الإصطخري وأبي علي بن أبي هريرة ، أنه نذر منعقد يجب الوفاء به ، كالمجازاة ؛ لعموم ما قدمناه من ظواهر الكتاب والسنة ولقول الله تعالى حاكيا عن مريم : إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني [ آل عمران : 35 ] ، فأطلق نذرها ولم يذكر تعليقه بشرط وجزاء ، فدل على لزوم النذرين في التبرر والمجازاة .

ولقوله تعالى : بما أخلفوا الله ما وعدوه ، [ التوبة : 77 ] ، فدل على وجوب الوفاء بوعده في الأمرين .

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من نذر أن يطيع الله فليطعه فاستوى فيه حكم النذرين .

ولأنه عقد نذر بطاعة فوجب أن يلزم في المجازاة ، والتبرر ، كالأضحية .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وأبي بكر الصيرفي أنه نذر غير منعقد ، والوفاء به واجب تمسكا بدليل لغة وشرع .

أما اللغة فما حكاه الصيرفي عن ثعلب ، أن النذر عند العرب وعد بشرط ، فكان عرف اللسان فيه مستعملا .

وأما الشرع فلاستقرار أصوله على الفرق في اللزوم بين عقود المعاوضات من البيوع والإجارات ؛ لأنها لازمة بالعقد وبين عقود غير المعاوضات من العطايا والهبات ؛ لأنها غير لازمة بالعقد ، فاقتضى أن يكون نذر المعاوضة لازما بالعقد ، ونذر غير المعاوضة غير لازم بالعقد ، وكلا الاستدلالين مدخول بما قدمناه ، وعرف اللسان مدفوع بقول جميل بن معمر :


فليت رجالا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقولي

وأما نذر ما ليس بطاعة ، ولا قربة فكقوله : لله علي أن أدخل البصرة أو لا أدخلها ، أو آكل لذيذا ، أو لا آكله ، أو ألبس جديدا ، أو لا ألبسه فليس في فعل شيء من هذا ولا في تركه طاعة لله تعالى ولا قربة إليه ، لأنه قد أباح فعله وتركه فاستوى الأمران في الحكم عنده ، فإن قيل : فقد رويت أن امرأة قالت : يا رسول الله : إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال : أوف بنذرك قيل : هو محمول على الإباحة دون الوجوب فعلى هذا لو قال : لله علي أن أتزوج ، فإن قصد به غض الطرف وتحصين الفرج ، كان قربة ؛ فيكون واجبا في أصح الوجهين ، وإن قصد به الاستمتاع والتلذذ كان مباحا ، فلا يجب على الوجهين .

ثم على قياس هذا في نظائره ؛ فهذا حكم عقد الباب في أصول النذور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث