الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عدة الشهود وحيث لا يجوز فيه النساء وحيث يجوز وحكم القاضي بالظاهر

[ ص: 15 ] فصل : فإذا تقرر بما ذكرنا أن حكم الحاكم في الظاهر لا يحيل الأمور عما هي عليه في الباطن ، وإذا كان كذلك انقسمت أحكامه ستة أقسام :

أحدها : أن يحكم بشهادة صدق أو يمين صدق فيما لا يختلف فيه مذاهب الفقهاء ، فحكمه نافذ في الظاهر والباطن ، وعلى المحكوم عليه أن يلتزمه فيما كان ظاهرا وباطنا ، وللمحكوم له أن يستبيحه ظاهرا وباطنا .

والقسم الثاني : أن يحكم بشهادة زور أو يمين كاذبة فيما لا تختلف فيه مذاهب الفقهاء ، كشاهدي زور شهدا لرجل بنكاح امرأة منكرة ، فحكم له الحاكم بنكاحها ، فهي حلال له في الظاهر وحرام عليه في الباطن ، ولها أن تنكح غيره في الباطن ، وليس لها نكاحه في الظاهر .

ولو طلق الرجل زوجته ثلاثا ، وأنكرها ، وحاكمته ، فأحلفه الحاكم لها حلت له في الظاهر ، وحرمت عليه في الباطن ، وحل لها أن تتزوج غيره في الباطن ، ومنعت من التزويج بغيره في الظاهر ثم على هذا .

والقسم الثالث : أن يحكم بما يخالف ظاهره لباطنه ، ولا تنبرم علانيته بعد حكمه كرجل باع جارية على رجل ، وجحده المشتري ، وحاكمه ، فأحلفه الحاكم أنه لم يشترها ، وعادت الجارية إلى بائعها ، فالأولى للحاكم أن يحمل المشتري على الاستقالة ، ويحمل البائع على الإقالة : لتحل لبائعها ظاهرا وباطنا فإن لم يفعل أو فعل ، فلم يجب المشتري إلى الاستقالة ولا البائع إلى الإقالة ، ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه :

أحدها : أن تعود إلى البائع ملكا للمشتري ليبيعها ، فيما يستحقه من ثمنها عليه ، ولا يحل له وطؤها وما باعها به من زيادة في الثمن لزمه ردها ، وما بقي له من ثمنها كان حقا له عليه : لأن الباطن مخالف للظاهر .

والوجه الثاني : أن الجحود يجري مجرى الرد بالإقالة ، فإن أراد البائع إعادتها إلى ملكه أظهر الإقالة ، وحكم له بعد إظهارها ، وإن لم يرد إعادتها إلى ملكه لم تحل له ، وكانت في يده ليستوفي ببيعها ماله من ثمنها ، وفي جواز تفرده ببيعها وجهان .

والوجه الثالث : أن الجحود يجري مجرى الفلس لتعذر الوصول إلى الثمن ، فإن أراد أن يتملكها قال : قد اخترت عين مالي باسترجاعها ، وفي جواز تفرده بهذا القول من غير حاكم وجهان ، ثم هي حلال له وإن لم يرد أن يتملكها كانت في يده للمشتري ، يستوفي ثمنها من بيعها .

والقسم الرابع : أن يحكم بما اختلف الفقهاء فيه ، فهو على ثلاثة أضرب :

[ ص: 16 ] أحدها : أن يحكم بأقوى المذهبين أصلا ، فحكمه نافذ في الظاهر والباطن .

والضرب الثاني : أن يحكم بأضعف المذهبين أصلا مما ينقضه عليه غيره من القضاة ، فحكمه باطل في الظاهر والباطن .

وهل يفتقر بطلانه إلى حكم حاكم له ؟ على وجهين .

والضرب الثالث : أن يحكم فيما يحتمل كل واحد من المذهبين ولا يجوز لغيره من القضاة أن ينقضه عليه ، فحكمه نافذ في الظاهر والباطن ، فإن كان المحكوم له وعليه من غير أهل الاجتهاد ، كان لازما للمحكوم عليه ومباحا للمحكوم له ، وإن كانا من أهل الاجتهاد كان لازما للمحكوم عليه ، لأنه مخير في إباحته للمحكوم له إذا خالف معتقده وجهان :

أحدهما : يستبيحه لنفوذ الحكم به في الظاهر والباطن .

والثاني : لا يستبيحه في الباطن وإن استباحه في الظاهر لاعتقاده بحظره .

والقسم الخامس : الحكم في المناكح المختلف فيها ، كالنكاح بغير ولي ونحوه ، فللزوجين فيها حالتان :

إحداهما : في عقده .

والثاني : في حله

فأما حال العقد ، فللزوجين حالتان :

إحداهما : أن يكونا من أهل الاجتهاد ، فيجوز لهما أن ينفردا بالعقد باجتهادهما من غير حكم حاكم ، ولا استفتاء مجتهد ، وإن كانا من غير أهل الاجتهاد ، ففي جواز انفرادهما بالعقد من غير اجتهاد حاكم واستفتاء مجتهد - وجهان :

أحدهما : يجوز ما لم يمنعهما ذو حكم لما في الاجتهاد من إباحته .

والوجه الثاني : لا يجوز ما لم يأذن لهما ذو حكم لما في الاجتهاد من حظره .

فأما حال الرفع والحل ، فلهما حالتان :

إحداهما : أن يختلف الزوجان فيه فلا يرتفع ، وينحل إلا بحكم حاكم .

والحال الثانية : أن يتفقا عليه من غير طلاق فلهما حالتان :

إحداهما : أن يكونا من غير أهل الاجتهاد ، فلا يرتفع بأنفسهما ، ونظر : فإن زوجهما حاكم لم يرتفع إلا بحكم حاكم ، وإن تزوجا باستفتاء فقيه مجتهد ، ففيما يرتفع به وجهان :

[ ص: 17 ] أحدهما : يرتفع باستفتاء مجتهد اعتبارا بعقده .

والوجه الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج : لا يرتفع إلا بحكم حاكم لتجاوزه إلى من يعقد النكاح من بعده .

والحال الثانية : أن يكون الزوجان من أهل الاجتهاد ، ففيما يرتفع به العقد وجهان :

أحدهما : يرتفع باجتهادهما اعتبارا بعقده .

والوجه الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج لا يرتفع إلا بحكم حاكم ، لتجاوزهما إلى من يعقد النكاح من بعده .

والقسم السادس : ما وقفت استباحته على حكم الحاكم ، كفسخ النكاح بعنة الزوج وإعساره بالنفقة ، فلا يجوز فسخه بالعنة إلا أن يحكم الحاكم بتأجيل الزوج سنة ، ثم يحكم بعنته بعد انقضائها ، فإذا حكم بالعنة بعد انقضائها ، ففي الفسخ وجهان :

أحدهما : وهو قول أبي سعيد الإصطخري : أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم الحاكم كما لم تثبت العنة إلا بحكمه .

والوجه الثاني : يجوز أن تنفرد الزوجة بالفسخ ؟ لأن الفسخ بالعنة بعد ثبوتها متفق عليه ، وهكذا الفسخ بإعسار الزوج بالنفقة لا يصح إلا أن يحكم الحاكم بجواز الفسخ ، فإذا حكم به ففيه وجهان :

أحدهما : لا يصح الفسخ إلا أن يتولاه الحاكم .

والوجه الثاني : يجوز أن تتولاه الزوجة .

فأما إذا أعتقت الزوجة تحت عبد ، فلها أن تنفرد بفسخ النكاح ، لأن فسخه بالعتق تحت عبد لا يفتقر إلى حكم ، لانعقاد الإجماع عليه .

فأما عيوب الزوجين إذا أراد الزوج أن يفسخ بها إذا كانت الزوجة معيبة ، أو أرادت الزوجة أن تفسخ إذا كان الزوج معيبا ، فإن كانت من العيوب المجمع عليها جاز أن ينفرد الزوجان بالفسخ بها ، وإن كانت مختلفا فيها لم يجز الفسخ بها إلا أن يحكم الحاكم بجواز الفسخ ، ثم على الوجهين :

أحدهما : لا يصح الفسخ حتى يتولاه الحاكم .

والثاني : يصح إذا تولاه مستحقه وهكذا رجوع البائع بعين ماله إذا أفلس [ ص: 18 ] المشتري لا يصح إلا أن يحكم الحاكم بفلسه ثم يحكم بجواز الرجوع بالأعيان المبيعة ، فإذا حكم في الفلس بجواز الرجوع ففيه وجهان :

أحدهما : لا يرجع به البائع إلا أن يحكم الحاكم برده عليه .

والوجه الثاني : يجوز أن يرجع به البائع إذا حكم له الحاكم بجواز الرجوع ، وكذلك على قياس هذا في نظائره ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث