الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا استقر بقذفه وجوب الأحكام الثلاثة ، فإن من قذف لم يسقط عنه بالتوبة الجلد باتفاق ، وزال فسقه باتفاق ، واختلف في قبول شهادته بعد التوبة ، فذهب الشافعي في ذلك ، وفقهاء الحرمين إلى قبول شهادته قبل الجلد وبعده ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبه قال الزهري والأوزاعي ، والشعبي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال أبو حنيفة : لا أقبل شهادته بعد الجلد أبدا وبه قال شريح ، والحسن البصري ، والنخعي ، والثوري ، استدلالا بقول الله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وما أبد الله حكمه لم يزل .

وبرواية عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في قذف " .

قالوا : وهذا نص لا يرتفع بالتوبة ، ولأن ما تعلق بالقذف من حقوق الآدميين لم يسقط بالتوبة كالجلد والشهادة من حقوق الآدميين . والدليل على قبول شهادته بعد التوبة قول الله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [ النور : 4 ] . إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [ ص: 26 ] [ النور : 5 ] . والاستدلال بها من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن الاستثناء بالتوبة ، يرفع حكم ما تقدم ، والاستثناء إذا انعطف على جملة عاد إلى جميعها ، ولم يختص ببعضها ، كقوله زينب طالق ، وسالم حر إن شاء الله ، يعود الاستثناء إليهما ، ولا يختص بأقربهما ، فلا تطلق زينب كما لم يعتق سالم .

والثاني : أن الجلد ورد الشهادة حكمان ، والفسق علة ، والاستثناء راجع إلى الحكم دون العلة .

كما لو قال : إن دخل زيد الدار وجلس ، فأعطه درهما ، لأنه صديق ، فدخل ولم يجلس ، فلم يستحق الدرهم ، وكان على الصداقة ، لأن الدرهم جزاء ، والصداقة علة .

والثالث : أن الفسق إخبار عن ماض ، ورد الشهادة حكم مستقبل والاستثناء يرجع إلى مستقبل الأحكام ، ولا يرجع إلى ماضي الأخبار . واعترضوا على الاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه لما لم يعد الاستثناء بالتوبة إلى الجلد منع من حمله على العموم ، ودل على اختصاصه بأقرب مذكور ، وهو الفسق دون رد الشهادة ، وإن كان من مذهبهم أن الاستثناء يختص بأقرب مذكور ، عنه جوابان :

أحدهما : أنه لم يعدل إلى الجلد لدليل خصه ، وهو أنه حق آدمي ، فبقي ما عداه على حكم أصله .

‌‌والثاني : أن الفسق علة في رد الشهادة ، وارتفاع العلة موجب لرفع حكمها ، وليس الفسق علة في وجوب الحد . فلذلك ارتفع رد الشهادة ، ولم يرتفع وجوب الحد .

والاعتراض الثاني : أن قالوا : فقوله إلا الذين تابوا عائد إلى ما بعده من الكلام لا إلى ما قبله ، لأنه قال : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [ النور : 5 ] . أي : إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله يغفر لهم ، ويرحمهم فتعود التوبة إلى الغفران والرحمة ، ولا تعود إلى الفسق ورد الشهادة ، لئلا يصير ما بعده من الكلام منقطعا وعنه جوابان :

أحدهما : أن قوله : فإن الله غفور رحيم صفة لذاته لا تتعلق باستثناء ولا شرط .

[ ص: 27 ] والثاني : أنه لما كان قوله في آية الحرابة : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [ المائدة : 34 ] . استثناء يعود إلى ما قبله ، وإن كان ما بعده منقطعا ، لأنه صفة ، كذلك صفة هذا في هذه الآية .

والاعتراض الثالث : أن قالوا : رد الشهادة حكم ، والفسق تسمية ، والخطاب إذا اشتمل على حكم وتسمية وتعقبها استثناء يعود إلى التسمية دون الحكم ، كقوله : أعط زيدا وعمرا الفاسق إلا أن يتوب يعني فإنه لا يكون فاسقا ، وعنه جوابان :

أحدهما : أن الفسق ورد الشهادة حكمان ، فلم يسلم لهم ما ادعوا .

والثاني : أنه لو جاز الفرق بينهما ، لكان عود الاستثناء بالتوبة إلى الحكم أولى من عوده إلى الاسم ، لأن التوبة تغير الأحكام ولا تغير الأسماء ، ثم تدل على المسألة بقول الله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات [ الشورى : 42 ] ، فأخبر أن التوبة توجب القبول والعفو ، وهم حملوها على القبول دون العفو ، ولذلك قال لهم الشعبي : يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته ؟

ثم يدل عليه من جهة السنة : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التوبة تجب ما قبلها "

أي : تقطعه ، وترفعه ، فوجب حمله على العموم دون الخصوص .

ويدل عليه إجماع الصحابة ، وهو أن عمر بن الخطاب لما جلد أبا بكرة في شهادته على المغيرة بالزنى ، قال له : تب أقبل شهادتك ، فقال : لا أتوب ، وكان هذا القول منه بمشهد من الصحابة : لأنها قصة اجتمعوا لها ، فما أنكر قوله أحد منهم ، فدل على إجماعهم .

والدليل عليه من الاعتبار : أن الشهادة إذا ردت بفسق قبلت بزوال الفسق ؟ قياسا على جميع ما يفسق به .

ولأن من قبلت شهادته بالتوبة قبل الحد ، قبلت بالتوبة بعد الحد قياسا على سائر الحدود .

ولأنه محدود في قذف ، فوجب أن تقبل شهادته من بعد التوبة ، قياسا على الذمي إذا حد في قذف ثم أسلم .

ولأن فعل الزنى أغلظ من القذف بالزنى لتردد القذف بين الصدق والكذب ، فلما قبلت شهادته بالتوبة من أغلظ الإثمين قبل الحد وبعده كان قبوله بالتوبة من أخفهما قبل الحد وبعده أولى .

ولأنه لما عاد إلى العدالة في قبول روايته وجب أن يعود إليها في قبول شهادته ، [ ص: 28 ] وقد كان أبو بكرة على إصراره يستروى فيروي ويستشهد فلا يشهد .

فأما الجواب عن استدلالهم بأن الله عز وجل جعل رد الشهادة مؤبدا ، فهو مشروط الإطلاق بعدم التسوية ومستثنى التأييد بالتوبة .

وأما الجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها ، فهو استعماله فيمن لم يتب أصلا .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الشهادة من حقوق الآدميين ، فهو أنها مشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين لقول الله تعالى : وأقيموا الشهادة لله [ الطلاق : 2 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث