الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وأما المعصية بالقول فضربان :

أحدهما : ردة في الدين يتعلق بها حق الله تعالى .

والثاني : قذف بالزنى يتعلق به حق آدمي .

فأما الردة عن الإسلام فالتوبة عنها بعد الندم والعزم ، يكون بما أسلم به الكافر من الشهادتين ، والبراءة من كل دين خالف الإسلام : لأنه لما كانت معصيته بالقول كانت توبته بالقول ، كما أن معصية الزنى لما كانت بالفعل كانت التوبة منها بالفعل ، فإذا أتى المرتد بما يكون به تائبا عاد إلى حاله قبل ردته ، فإن كان من لا تقبل شهادته قبل ردته لم تقبل بعد توبته حتى تظهر منه شروط العدالة ، وإن كان ممن تقبل شهادته قبل الردة نظر في التوبة ، فإن كانت عنه اتقاء منه للقتل ، لم تقبل شهادته بعد التوبة ، إلا أن تظهر منه شروط العدالة باستبراء حاله وصلاح عمله ، وإن تاب من الردة عفوا غير متق بها القتل ، عاد بعد التوبة إلى عدالته .

وأما القذف بالزنى ، وهو مسألة الكتاب ، فلا يكون بعد الندم والعزم إلا بالقول ، لأنه معصية بالقول كالردة ، فيعتبر في صحة توبته ثلاثة شروط :

أحدها : الندم على قذفه .

[ ص: 32 ] والثاني : العزم على ترك مثله .

والثالث : إكذاب نفسه على ما قاله الشافعي ، فاختلف أصحابنا في تأويله على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي سعيد الإصطخري ، أنه محمول على ظاهره ، وهو أن يقول : وإني كاذب في قذفي له بالزنى ، وقد روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " توبة القاذف إكذابه نفسه " .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة أن إكذابه نفسه أن يقول : قذفي له بالزنى كان باطلا ولا يقول : كنت كاذبا في قذفي ، لجواز أن يكون صادقا ، فيصير عاصيا بكذبه ، كما كان عاصيا بقذفه ، وهل يحتاج أن يقول في التوبة : ولا أعود إلى مثله أو لا ؟ فيه وجهان :

أحدهما : لا يحتاج إليه ، لأن العزم على ترك مثله يغني عنه .

والوجه الثاني : لا بد أن يقول لا أعود إلى مثله ، لأن القول في هذه التوبة معتبر ، والعزم ليس بقول ، وإذا كانت التوبة من القذف معتبرة بهذه الشروط ، فالقذف على ضربين : قذف نسب ، وقذف شهادة .

وأما قذف النسب ، فلا يخلو حال التائب من أن يكون قبل القذف من أهل الشهادة أو من غير أهلها ، فإن كان من أهل الشهادة ، لم تقبل شهادته بعد التوبة إلا باستبراء حاله ، وصلاح عمله ، لقول الله تعالى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [ النور : 5 ] . وإن كان قبل القذف عدلا من أهل الشهادة ، فهل يراعى في قبول شهادته بعد التوبة صلاح عمله أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : لا تقبل شهادته إلا بعد استبراء حاله وصلاح عمله لارتفاع ما تقدم من العدالة بما حدث من الفسق .

والوجه الثاني : تقبل شهادته ، وتثبت عدالته بحدوث توبته ، لأنها رافعة لحكم فسقه .

وأما قذف الشهادة إذا لم يستكمل عدد الشهود ، ففي وجوب حدهم قولان :

أحدهما : لا حد عليهم ، فعلى هذا يكونون على عدالتهم ، ولا يؤخذون بالتوبة ، لأنهم قصدوا إقامة حد الله تعالى .

[ ص: 33 ] والقول الثاني : الحد عليهم واجب لأن عمر رضي الله عنه حدهم حين لم يكمل عددهم فعلى هذا يحكم بفسقهم ، ويجب عليهم التوبة من فسقهم ، ويعتبر في توبتهم من الشروط المتقدمة في قذف النسب أن يقول : قذفي باطل ، لا يحتاج إلى الندم وترك العزم لأنها شهادة في حق الله تعالى ، ولا أن يقول : إني كاذب ولا يقول : لا أعود إلى مثله لأنه لو كمل عدد الشهود لزمه أن يشهد ، فإن تاب قبلت شهادته بعد توبته من غير استبراء لحاله ، وصلاح عمله ، لأن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكرة : تب أقبل شهادتك ، وما يجوز للإمام إذا حده أن يقول له مثل قول عمر لأبي بكرة تب أقبل شهادتك .

وقال مالك : لا أعرف لقوله ذلك وجها ، وهذا رد منه على عمر في قول انتشر في الصحابة ، فوافقوه عليه ، وإن لم يتب من قذفه لم تقبل شهادته ، وقبلت روايته لأن أبا بكرة لم يتب فقبلت روايته ولم تقبل شهادته .

والفرق بين الشهادة والرواية تغليظ الشهادة حين لم تقبل من واحد ، وتخفيف الرواية حين قبلت من واحد .

فأما قذف النسب ، فلا يقبل من قاذفه قبل التوبة شهادة ولا تسمع له رواية : لأن الفسق بقذف النسب نص ، وبقذف الشهادة اجتهاد ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث