الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل : فإذا تقرر ما وصفنا ، فقد اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج ، وأبي إسحاق المروزي ، وأبي حامد [ ص: 89 ] المروزي أنها مصورة في رجل مات وخلف دارا على ورثة من بنين وبنات وزوجات ، فادعى أحد بنيه أن أباه وقف هذه الدار عليه ، وعلى أخويه هذين دون باقي الورثة ، وصدقه الأخوان على الدعوى ، فيكون دعوى الإخوة على أبيهم .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها مصورة في رجل أجنبي خلف دارا على ولده ، فادعى أجنبي منه أن صاحبها وقفها عليه ، وعلى إخوته . وتصويرها على الوجه الأول أشبه بكلام الشافعي من الوجه الثاني ، وإن كان للثاني في الاحتمال وجه ضعيف ، وليس هذا الاختلاف في صورة المسألة موجبا للاختلاف في حكمها على كل واحد من الوجهين ، وإن اختلفت الأحكام باختلاف الصورة ، ونحن نذكرهما معا .

فأما تصويرها على الوجه الأول ، وهو : أن يقول المدعي : إن أبي وقف داره هذه علي وعلى إخوتي دون غيرنا من شركائنا في الميراث ، فإذا انقرضنا ، فهي على أولادنا ما بقوا ، ثم على المساكين إذا انقرضوا ، فإن صدقه الباقون من الورثة كانت الدار وقفا عليهم ، ثم على أولادهم ، ثم على المساكين بإقرار الورثة من غير يمين يلزم المستحقين لوقفها من البطن الأول ، ومن بعدهم من البطون .

وإن أنكر الباقون من الورثة أن تكون وقفا ، وأقام مدعوها شاهدين صارت وقفا بإقرار الميت عند الشاهدين ، وإن أقاموا شاهدا واحدا ، وقيل بأن الوقف يثبت بالشاهد واليمين ، وهي مسألة الكتاب ، لم يخل حال الإخوة الثلاثة من ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يحلفوا مع شاهدهم .

والثاني : أن ينكلوا .

والثالث : أن يحلف بعضهم ، وينكل بعضهم ، فإن حلفوا جميعا كانت الدار وقفا عليهم ، ومنفعتها بينهم على سواء من غير تفضيل ، لأنها عطية مطلقة كالهبة ، ولا حق فيها لأولادهم ما بقي أحدهم ، لأنها مصورة في ترتيب البطن الأول على الثاني ، فإن مات الإخوة الثلاثة لم يخل انقراضهم من أن يكون معا في حال واحدة أو ينقرضوا واحدا بعد واحد ، فإن انقرضوا معا انتقل الوقف إلى أولادهم ، واختلف في استحقاقهم له هل يكون بأيمانهم أو بأيمان آبائهم على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج أنهم لا يستحقونه إلا بأيمانهم مع شاهد آبائهم ، لأنهم يستحقونه عن الواقف لا عن آبائهم ، فلما استحقه الآباء بأيمانهم وجب أن يستحقه الأبناء بأيمانهم . [ ص: 90 ] والوجه الثاني : وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنهم يستحقونه بأيمان آبائهم لأنه قد صار بأيمانهم وقفا مؤبدا ، فلم يجز أن يكمل للأبناء أن يصير ملكا مطلقا .

فإن انقرض الأبناء وأفضى الوقف إلى المساكين ، فلا أيمان عليهم ، لأنهم غير متعينين واستحقاقهم له معتبر بالأبناء .

فإن قيل بالظاهر من مذهب الشافعي أنهم يستحقونه بأيمان آبائهم استحقه المساكين ، بتلك الأيمان .

وإن قيل : بمذهب أبي العباس بن سريج أنه لا يستحقه الأبناء إلا بأيمانهم ، فله في استحقاق المساكين وجهان :

أحدهما : أنهم يستحقونه بغير يمين للضرورة في عدم التعيين .

والوجه الثاني : أنه لا حق لهم فيه ، ويعود ملكا مطلقا .

ومن مذهب أبي العباس أن الوقف المقدر بمدة يصح ، وإن كان على مذهب الشافعي لا يصح حتى يكون مؤبدا ، وإن مات الإخوة الثلاثة واحدا بعد واحد ، فإن مات واحد منهم عاد نصيبه إلى أخويه ، وصارت منفعة الوقف بينهما نصفين ، وإن مات ثان عاد نصيبه إلى الباقي ، فصار له جميع المنفعة إذا كان شرط الوقف المرتب أن يعود سهم من مات ، استحقه هو في درجته ، فإن أطلق الشرط ، ففي مستحق سهم الميت قبل انقراضهم جميعهم وجهان :

أحدهما : يستحقه من في درجته كما لو كان ذلك مشروطا .

والوجه الثاني : يستحقه المساكين حتى ينقرض جميعهم ، فيستحقه البطن الثاني .

وإذا وجب عود هذا الوقف إلى الباقي من الثلاثة كان في استحقاقه باليمين معتبرا باستحقاق البطن الثاني ، فإن جعل لهم بغير يمين كان ما عاد إلى الباقي على أخويه مستحقا له بغير يمين ، وإن لم يجعل للبطن الثاني إلا بأيمانهم ، ففيما عاد إلى الباقي عن إخوته وجهان :

أحدهما : أنه لا يستحقه إلا بيمين ، لأنه صار إليه عن غيره كالبطن الثاني .

والوجه الثاني : أنه يستحقه بغير يمين ، لأنه قد حلف عليه مرة ، فلم يحتج إلى يمين ثانية . ومن هذا الوجه خالف البطن الثاني ثم حكم البطن الثالث بعد الثاني كحكم البطن الثاني بعد الأول .

فصل : وأما الحال الثانية : وهو أن ينكل الإخوة الثلاثة عن اليمين مع شاهدهم ، فتكون الدار بعد إحلاف بقية الورثة - تركة في الظاهر ، فإن كان على الميت ديون يستوعبها قضيت من ثمنها ، وبطل وقفها ، وإن لم تكن ديون ، فكانت وصايا أمضى من [ ص: 91 ] وصاياه ما احتمله الثلث ، وإن لم تكن ديون ولا وصايا كانت ميراثا بين جميع الورثة يملك هو لا الإخوة الثلاثة ميراثهم منها ، وتصير وقفا بإقرارهم لأن ما ادعوه من وقفها مقبول في حقهم وغير مقبول في حق غيرهم .

فإذا انقرض الإخوة الثلاثة انتقل الوقف إلى البطن الثاني بغير يمين ، لأنه قد صار وقفا على البطن الأول بغير يمين ، فصار البطن الثاني بمثابته ، وكذلك من بعدهم من البطون ، وكان بقية الدار ملكا مطلقا لبقية الورثة ، فإن مات الباقون من الورثة عن نصيبهم منها ، وعاد ميراثهم إلى الإخوة الثلاثة صار جميع الدار وقفا بإقرارهم ، لأنهم ملكوا جميعها ، وإن ورثهم غيرهم ، وعاد الإخوة ، فادعوا وقف بقيتها عليهم بعد انبرام الحكم مع من تقدمهم ، فإن ادعوا عليهم بوقفها صحت الدعوى عليهم ، لأنهم لو اعترفوا بوقفها صار حقهم وقفا ، وإن لم يدعوا عليهم لم تصح الدعوى عليهم ، لأن انبرام الحكم مع تقدمهم قد أسقط دعواهم .

فلو بذل البطن الثاني اليمين مع الشاهد عند نكول البطن الأول عنها ، ففي إحلافهم قولان :

أحدهما : لا يحلفون ، لأنهم فرع لأصل صاروا له تبعا ، فإذا بطل حكم الأصل المتبوع بطل حكم الفرع التابع .

والقول الثاني : وهو أظهر لهم أن يحلفوا ، لأمرين :

أحدهما : أن الوقف يصير إليهم عن الواقف لا عن البطن الأول ، فصاروا في إفضائه إليهم في حكم البطن الأول .

والثاني : أنه لو امتنع البطن الثاني من الأيمان ، لامتناع البطن الأول منها لملك به البطن الأول إبطال الوقف على البطن الثاني ، وهذا ممتنع ، فكان تمكين البطن الثاني من الأيمان غير ممتنع .

واختلف أصحابنا في أصل هذين القولين على وجهين :

أحدهما : أنهما مبنيان على اختلاف قولي الشافعي في الوقف إذا كان على أصل معدوم وفرع موجود ، هل يبطل الفرع لبطلانه في الأصل ؟ على قولين :

أحدهما : يبطل في الفرع كبطلانه في الأصل ، لامتزاجهما في الصحة والفساد ، فعلى هذا لا يجوز أن يحلف البطن الثاني مع نكول البطن الأول لبطلانه في حقوقهم ، فيبطل في حق من بعدهم .

والقول الثاني : لا يبطل في الفرع ، وإن بطل في الأصل ، لأن حق كل واحد منهما لا يتعداه ، فعلى هذا يجوز للبطن الثاني أن يحلف مع نكول البطن الأول .

[ ص: 92 ] والوجه الثاني : أن المسألة أصل في نفسها ، والقولان منصوصان فيها ، فإذا استقر القولان فيها ، إما بناء وإما أصلا ، فقد اختلف أصحابنا في موضع القولين على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي : إن كان البطن الأول باقين لم يكن للبطن الثاني أن يحلفوا قولا واحدا ، وإن انقرضوا فإحلاف البطن الثاني على القولين .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة بعكس الأول : إن انقرض البطن الأول كان للبطن الثاني أن يحلفوا قولا واحدا ، وإن كانوا باقين ، فإحلاف البطن الثاني على القولين وقول أبي إسحاق أشبه بالصواب ، لأن ترتيب البطون يمنع من استحقاق الثاني مع بقاء الأول .

فصل : وأما الحال الثالثة : وهو أن يحلف بعضهم ، وينكل بعضهم ، مثل : أن يحلف من الثلاثة الإخوة واحد ، وينكل اثنان ، فيكون ثلثها وقفا على الحالف بيمينه ، وثلثاها ملكا موروثا بين الأخوين وبقية الورثة ، ولا يرث الحالف منه شيئا ، لأنه مقر بأن الباقي من الدار وقف على أخويه ، ويصير ما ورثه الأخوان منها وقفا عليهما بإقرارهما وسهام باقي الورثة ملكا لهم طلقا .

فإن أراد البطن الثاني أن يحلفوا عليه كان على ما ذكرناه من القولين في البناء والمحل ، فإن مات الإخوة الثلاثة انتقلت حقوقهم إلى البطن الثاني ، وكان نصيب من ورث ولم يحلف منتقلا إلى البطن الثاني بغير يمين ، لأنه صار وقفا عليه بإقراره بغير يمين ، وكان نصيب من حلف منتقلا إلى البطن الثاني بيمين أو بغير يمين على ما قدمناه من الوجهين في يمين البطن الثاني بعد يمين البطن الأول ، ويستوي فيه ورثة الحالف وغير الحالف من البطن الثاني .

ولو مات من الإخوة اللذان لم يحلفا انتقل نصيبهم إلى الأخ الحالف بغير يمين .

ولو مات الأخ الحالف وبقي أخواه :

فإن قيل : إن أيمان البطن الأول تسقط الأيمان عن البطن الثاني انتقل نصيب الحالف إلى أخويه الناكلين ، ولم ينتقل إلى البطن الثاني لاستحقاق الترتيب بين البطون .

وإن قيل : إن أيمان البطن الأول لا تسقط الأيمان عن البطن الثاني لم ينتقل نصيب الحالف إلى أخويه ، لنكولهما عن اليمين ، وفي انتقاله إلى البطن الثاني إن حلفوا وجهان :

[ ص: 93 ] أحدهما : ينتقل إليهم ، وإن كان الترتيب مستحقا للضرورة الداعية إلى حفظ الوقف على البطون الآتية .

والوجه الثاني : لا ينتقل إلى البطن الثاني ما كان الأخوان الناكلان باقيين اعتبارا بشرط الوقف في ترتيب البطون .

فعلى هذا في مصرفه إلى انقراض البطن الأول وجهان :

أحدهما : إلى الفقراء والمساكين ، حتى ينقرض البطن الأول ، فيرد على البطن الثاني بعد أيمانهم .

والوجه الثاني : يصرف إلى أقرب الناس بالواقف ، ويكون الأخوان الناكلان وهما من أقرب الناس به ومن في درجتهما من الأقارب فيه سواء .

فإذا مات الأخوان انتقل جميع هذا النصيب إلى البطن الثاني بعد أيمانهم ، لإفضاء الوقف إليهم بعد انقراض البطن الأول .

فصل : ولو كان الإخوة الثلاثة عند ادعاء الوقف عليهم هم ورثة الواقف ، ولا يشركهم غيرهم ، صارت الدار وقفا عليهم بإقرارهم ، لا بالشاهد واليمين ، وانتقل الوقف عنهم إلى البطن الثاني ، وما يليه بغير يمين كما صار للأول بغير يمين .

فإن كان على الواقف دين يحيط بالوقف ، فإن قضوه من أموالهم خلص الوقف لهم ، وإن لم يقضوه لم يكن لهم بإسقاط الديون بغير بينة ، ونظر :

فإن كان الواقف في المرض بطل ، لأنه وصية تبطل باستغراق الديون ، ولا يكون لبينتهم تأثير ، وإن كان في الصحة سمعت بينتهم ، وثبت الوقف بالشاهد واليمين على قول من يراه : لأنها عطية في الصحة ، فلم ترد بالديون ، وإن عدمت البينة حلف أرباب الديون على إبطال الوقف ، فكان مصروفا في ديونهم ، فإن نكلوا عن الأيمان ردت على الورثة ، فإن حلفوا ثبت الوقف ، وإن نكلوا صرفه في أرباب الديون .

ولو كانت الدار التي أقروا بوقفها مغصوبة في يد أجنبي قضى لهم على الغاصب بالشاهد واليمين قولا واحدا ، لأن الغصب يستحق بالشاهد واليمين ، والغصوب تتوجه إلى الوقف كما تتوجه إلى الملك المطلق ، فإذا أزيلت يد الغاصب عنه كان على ما ذكرناه لو لم يكن مغصوبا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث