الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 1116 ) مسألة قال : ( ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ) لا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما . واختلف في أيهما يقدم على صاحبه ؟ فمذهب أحمد ، رحمه الله ، تقديم القارئ . وبهذا قال ابن سيرين ، والثوري ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي . وقال عطاء ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو ثور : يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة ; لأنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه ، فيكون أولى ، كالإمامة الكبرى والحكم .

ولنا ما روى أوس بن ضمرة ، عن أبي مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء [ ص: 6 ] فأقدمهم سنا . } أو قال : " سلما " . وروى أبو سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم . } رواهما مسلم . وعن ابن عمر ، قال : لما قدم المهاجرون الأولون العصبة ، موضع بقباء ، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآنا رواه البخاري ، وأبو داود . وكان فيهم عمر بن الخطاب ، وأبو سلمة بن عبد الأسد .

وفي حديث عمرو بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : ليؤمكم أكثركم قرآنا } . ولأن القراءة ركن في الصلاة فكان القادر عليها أولى ، كالقادر على القيام مع العاجز عنه . فإن قيل : إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقههم ، فإنهم كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه ، قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ، ونهيها ، وأحكامها .

قلنا : اللفظ عام فيجب الأخذ بعمومه دون خصوص السبب ، ولا يخص ما لم يقم دليل على تخصيصه ، على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { فإن استووا فأعلمهم بالسنة } . ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة ، ولو قدم القارئ لزيادة علم لما نقلهم عند التساوي فيه إلى الأعلم بالسنة ، ولو كان العلم بالفقه على قدر القراءة للزم من التساوي في القراءة التساوي فيه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { أقرؤكم أبي ، وأقضاكم علي ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضكم زيد بن ثابت } . فقد فضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة ، وفضل بالقراءة من هو مفضول بالقضاء والفرائض وعلم الحلال والحرام .

قيل لأبي عبد الله : حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " مروا أبا بكر يصلي بالناس " أهو خلاف حديث أبي مسعود ؟ قال : لا ، إنما قوله لأبي بكر - عندي - " يصلي بالناس " للخلافة ، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة ، وإن كان غيره أقرأ منه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه . ( 1117 ) فصل : ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { : ليؤمكم أكثركم قرآنا . } وإن تساويا في قدر ما يحفظ كل واحد منهما ، وكان أحدهما أجود قراءة وإعرابا فهو أولى ; لأنه أقرأ ، فيدخل في عموم قوله : { يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله } .

وإن كان أحدهما أكثر حفظا ، والآخر أقل لحنا وأجود قراءة ، فهو أولى ; لأنه أعظم أجرا في قراءته ; لقوله عليه السلام : { من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة . } رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . ( 1118 ) مسألة قال : ( فإن استووا فأفقههم ) وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، } ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة [ ص: 7 ] للإتيان بواجباتها وسننها ، وجبرها إن عرض ما يحوج إليه فيها ، فإن اجتمع فقيهان قارئان ، وأحدهما أقرأ ، والآخر أفقه ، قدم الأقرأ . نص عليه للخبر .

وقال ابن عقيل : الأفقه أولى ; لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة . وهذا يخالف عموم الخبر ، فلا يعول عليه . وإن اجتمع فقيهان ، أحدهما أعلم بأحكام الصلاة ، والآخر أعرف بما سواها ، فالأعلم بأحكام الصلاة أولى ، لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة بخلاف الآخر .

( 1119 ) مسألة ; قال : ( فإن استووا فأسنهم ) . يعني : أكبرهم سنا ، يقدم عند استوائهم في القراءة والفقه . وظاهر قول أحمد ، أنه يقدم أقدمهما هجرة ، ثم أسنهما ; لأنه ذهب إلى حديث أبي مسعود ، وهو مرتب هكذا . قال الخطابي : وعلى هذا الترتيب توجد أكثر أقاويل العلماء . ومعنى تقدم الهجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، لأن الهجرة قربة وطاعة فيقدم السابق إليها لسبقه إلى الطاعة . فإذا استويا فيها ، إما لهجرتهما معا ، أو عدمها منهما ، فأسنهم ; { لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه : ليؤمكما أكبركما } . متفق عليه . ولأن الأسن أحق بالتوقير والتقديم . وكذلك { قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سهل ، لما تكلم في أخيه : كبر كبر } . أي دع الأكبر يتكلم .

وقال أبو عبد الله بن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ، ثم أقدمهم هجرة ، ثم أسنهم . والصحيح ، الأخذ بما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم السابق بالهجرة ، ثم الأسن ; لتصريحه بالدلالة ، ولا دلالة في حديث مالك بن الحويرث على تقديم الأسن ; لأنه لم يثبت في حقهما هجرة ولا تفاضلهما في شرف ، ويرجح بتقديم الإسلام كالترجيح بتقديم الهجرة ، فإن في بعض ألفاظ حديث أبي مسعود : { فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما } ولأن الإسلام أشرف من الهجرة ، فإذا قدم بتقدمها فتقدمه أولى . فإذا استووا في هذا كله قدم أشرفهم ، أي أعلاهم نسبا ، وأفضلهم في نفسه ، وأعلاهم قدرا ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { قدموا قريشا ولا تقدموها } .

( 1120 ) فصل : فإن استووا في هذه الخصال ، قدم أتقاهم وأورعهم ; لأنه أشرف في الدين ، وأفضل وأقرب إلى الإجابة ، وقد جاء : " إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال " . ذكره الإمام أحمد في " رسالته " ، ويحمل تقديم هذا على الأشرف ، لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا ، وقد قال الله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } . فإذا استووا في هذا كله أقرع بينهم . نص عليه أحمد ، رحمه الله . وذلك لأن سعد بن أبي وقاص أقرع بينهم في الأذان ، فالإمامة أولى ، ولأنهم تساووا في الاستحقاق ، وتعذر الجمع ، فأقرع بينهم [ ص: 8 ] كسائر الحقوق .

وإن كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به ، وكذلك إن رضي الجيران أحدهما دون الآخر ، قدم بذلك . ولا يقدم بحسن الوجه ; لأنه لا مدخل له في الإمامة ، ولا أثر له فيها ، وهذا كله تقديم استحباب ، لا تقديم اشتراط ، ولا إيجاب ، لا نعلم فيه خلافا ، فلو قدم المفضول كان ذلك جائزا ; لأن الأمر بهذا أمر أدب واستحباب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث