الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وإذا كان العتق على ما وصفنا فهو يسري كسراية الطلاق ، وسرايته أعم من سراية الطلاق : لأنه يسري إلى ملك المعتق وإلى غير ملكه ، وسراية الطلاق لا تسري إلا [ ص: 5 ] إلى ملك المطلق ، فإذا أعتق الرجل بعضا من عبده ، كقوله : نصفه حر . عتق جميعه ، ولم يقف العتق الذي باشره .

وروى قتادة ، عن أبي المليح أسامة بن عمير ، عن أبيه ، أن رجلا أعتق شقصا من غلام ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هو حر كله ليس لك شريك .

وإذا أعتق شركاء له في عبد شرك بينه وبين غيره عتق عليه ما يملكه منه ، وروعيت حاله في يساره وإعساره ، فإن كان موسرا سرى عتقه إلى شريكه ، وعتق عليه جميعه ، ووجب عليه لشريكه قيمة حصته ، ولم يكن للشريك أن يستبقيها على ملكه ، ولا أن يعتقها في حق نفسه ، وإن كان المعتق معسرا لم يسر عتقه إلى حصة الشريك ، وكانت حصته باقية على ملكه ، إن شاء أعتقها وإن شاء استبقاها ، ولا يجبر العبد على الاستسعاء فيما رق منه في حق واحد منهما ، وتتبعض في العبد الحرية والرق . وقال أبو حنيفة : لا يجوز أن تتبعض فيه فيكون بعضه حرا وبعضه مرقوقا . والواجب تكميل الحرية فيه فإن كان المعتق موسرا كان شريكه بالخيار بين ثلاثة أحوال : :

أحدها : أن يعتق حصته مباشرة فيكون الولاء بينهما .

والحالة الثانية : أن يستسعي العبد في حصته فيعتق عليه بالسوية ويكون الولاء بينهما .

والحالة الثالثة : أن يأخذ المعتق بقيمة حصته ، ويكون المعتق فيه بين خيارين : إن شاء أعتقه ، وإن شاء استسعاه في حصته فيه بقيمتها ، وإن كان المعتق معسرا ، كان الشريك في حصته بين خيارين : إما أن يعتقها وإما أن يستسعي العبد فيها .

وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : لا يصح أن ينفرد أحدهما بعتق حصته في يساره وإعساره ، إلا أن يجتمعا على عتقه فيعتق عليهما ، فإن تفرد أحدهما بالعتق لم يقع .

وقال الأصم وابن علية : يعتق حصة المعتق ولا يعتق عليه حصة الشريك موسرا كان أو معسرا .

وقال أبو يوسف ومحمد : يعتق حصة الشريك على المعتق موسرا كان أو معسرا ، واستدل أبو حنيفة بما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي عنه أنه قال : " من أعتق شركا له من عبد فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه " .

[ ص: 6 ] قالوا : وهذا نص .

قالوا : ولأن تنافي أحكام الحرية والرق تمنع من تبعيض الحرية والرق كما امتنع من تبعيض الزوجية إباحة وحظرا .

قالوا : ولأنه ما لم تبعض الحرية والرق في ملك الواحد . لم تبعض في ملك الاثنين .

قالوا : ولأن عتق أحد الشريكين يجعل العبد فيما يملكه من حرية نفسه كالغاصب في حق الآخر ، فوجب أن يستسعي في قيمة نفسه كما يؤخذ الغاصب بقيمة غصبه . ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ قيمة العبد ، قوم عليه قيمة عدل فأعطي شركاؤه حصصهم ، وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه فأعتق ورق منه ما رق " .

وهذا يدل على عتقه في حق الموسر دون حق المعسر ، ويدل عليه ما رواه عطاء عن سعيد بن المسيب ، عن عمران بن الحصين ، وروى سماك بن حرب ، عن الحسن ، عن عمران بن الحصين ، وروى أيوب ، عن محمد بن سيرين عن عمران بن الحصين ، أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد عند موته وليس له مال غيرهم فبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم وجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة .

فمنع هذا الخبر من قول أبي حنيفة ؛ لأن فيه أنه جزأهم ، وأبو حنيفة لا يجزئهم ، وأقرع بينهم ، وأبو حنيفة لا يقرع بينهم ، وأعتق منهم اثنين ، وأبو حنيفة يعتق من كل واحد ثلثه ، وأرق أربعة ، وأبو حنيفة لا يسترقهم ، وأوجب استسعاءهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجبه ، فصار مذهبه مخالفا للخبر في جميع أحكامه ، فوجب أن يكون مدفوعا به ؛ لأن الاستسعاء عتق بعوض ، فلم يجبر عليه العبد كالكتابة ، ولأنه لما لم يقوم على المعتق المعسر : فأولى ألا يقوم على العبد بالسعاية ؛ لأنه أسوأ حالا من المعسر للعلم بإعسار العبد في الظاهر والباطن ، وإعسار المعتق في الظاهر دون الباطن .

ولأن ما يقتفيه التقويم هو العتق لدخول الضرر به في حصة الشريك فلما سقط التقويم في حق المعتق بإعساره وهو مباشر كان أولى أن يسقط عن العبد بما قد يجوز ألا يصل إليه من سعايته . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من ضر أضر الله به

فأما الجواب عن احتجاجهم بالخبرين فمن وجهين :

أحدهما : اختلاف الرواية فيه .

[ ص: 7 ] والثاني : استعماله .

فأما اختلاف الرواية فمن أوجه :

أحدها : أن الاستسعاء تفرد به سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فيما رواه العراقيون عنه ، وقد رواه أبو داود عن ابن أبي عيسى عن سعيد ولم يذكر السعاية .

والثاني : أن سعيد بن أبي عروبة تفرد برواية السعاية من بين أصحاب قتادة ، وقد رواه من أصحاب قتادة من هو أضبط من سعيد وهو مسعر الحافظ وهشام الدستوائي ، ولم يذكرا فيه السعاية .

والثالث : أنه قد رواه هشام ، عن قتادة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من أعتق شركا له من عبد فعليه خلاصه في ماله وأن قتادة قال فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه ، فذكر قتادة ذلك عن نفسه ، فوهم فيه سعيد بن أبي عروبة فضمه إلى روايته . قال أبو بكر النيسابوري : رواية همام أصح ؛ لأنه فصل مذهب قتادة عن روايته ، وسعيد أزوجها في الرواية .

وأما استعمال الخبر في السعاية فمن وجهين :

أحدهما : أنه يحمل على المراضاة ، دون الإجبار إذا طلبها العبد وأجاب إليه السيد ؛ لأنه قال : غير مشقوق عليه . والإجبار شاق ، ولأن الاستسعاء استفعال ، وهو في اللغة موضوع للطلب . كقولهم استسلف ، واستصعب ، واستقرض .

والثاني : أنه يحمل على استسعائه في خدمة الشريك واكتسابه له بحق ملكه لا لإطلاق الاستسعاء في احتمال الأمرين .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن تنافي أحكام الحرية والرق يمنع من الجمع بينهما فهو أنا نغلب أحدهما ولا نجمع بينهما فزال التنافي .

وأما الجواب عن امتناع الجمع بينهما في ملك الواحد ، فهو أن اختياره للمعتق أوجب سرايته إلى ملكه ، ولم يوجب سرايته إلى ملك شريكه إذا استقر .

وأما الجواب عن جعلهم العبد كالغاصب فهو أنه لم يكن من العبد فعل ، ولا له على رقه يد ، فلم يجز أن يجعل كالغاصب المتعدي بيده واستهلاكه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث