الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في شرطه

جزء التالي صفحة
السابق

الباب الثاني في شرطه - وهو الحوز

وقد تقدم دليل اعتباره ، وقد ألحق بالهبة والصدقة والعارية والحبس بجامع المعروف ، وقال ( ش ) وأحمد : لا يشترط الحوز قياسا على البيع والإجارة ; ولأن عمر وعليا وفاطمة - رضي الله عنهم - لم يزالوا يلوا صدقاتهم ، والجواب عن الأول الفرق بأنه عقد عرا عن المعاوضة بالأدلة المتقدمة في الهبة .

فرع

في الكتاب : إذا حبس نخل حائط على المساكين في مرضه والثلث يحمله ولم يخرجه من يده حتى مات نفذ ; لأنه وصية لقرينة المرض لا يشترط حوزها قبل الموت ، وإن حبس في صحته ما لا غلة له كالسلاح والخيل ولم يخرجها حتى مات بطلت لعدم الحوز في الحياة ، وإن أخرجها في وجهها وعادت إليه نفذت من رأس ماله لحصول الحوز قبل الموت ، فإن أخرج بعضها نفذ ولا يجوز من [ ص: 319 ] فعل الصحيح إلا ما حيز قبل الموت والفلس ، قال ابن يونس : إذا تصدق على ولده الصغير فحوزه له حوز إلا أن يسكن في الدار أو جلها حتى مات فيبطل جميعها لعدم الحوز باستيفائه المنفعة ، ولو سكن أقل الدار الكبيرة وأكرى لهم باقيها نفذ الجميع ; لأن الأقل تبع للأكثر ، وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر داريهما وسكنا منزلا حتى ماتا فنفذ الجميع ، ولا تكفي الشهادة في المرض أنهم حازوا ، بل حتى تعاين الحوز ; لأن الاعتراف بالشيء إنما يقوم مقام الشيء في حق المقر خاصة ، وهو ها هنا متعلق بالوارث ، وكذلك الهبة والصدقة والرهون ، وقال أشهب : إذا كان يخرج الأسلحة وغيرها ، ثم ترد إليه بعد الرجوع فيعلف الخيل من عنده وترم السلاح ، وينتفع بذلك في حوائجه ويعيره لإخوانه ثم يموت فهو ميراث ; لأنه حائز لمنافعه وليس تفريق الغلة كالسلاح ; لأن أصل النخل بيده ولم يخرج قط . قال ابن عبد الحكم : إن جعلها بيد غيره يحوزها ويدفع غلتها للواقف يلي تفريقها جاز ، وأباه ابن القاسم وأشهب لبقاء يده ، قال مالك : إن حبس على من يحوز لنفسه ولم يحز حتى مرض الواقف امتنع الحوز للحجر ، وإن مات فهو ميراث ، وكذلك سائر النحل ، قال مالك : إذا حبس دارا أو غيرها في السبيل وجعل رجلا يليها ، يكري ويرم وينفق في السبيل ، ثم أكراها من ذلك الرجل ونفذ الكراء ، هو ميراث ; لأن إجارته له استيلاء يمنع الحوز عنه ، وكذلك لو حبسها على ولده ثم أكراها منهم بكراء يدفعه إليهم ، أو يعمل في الحائط مساقاة فذلك يبطله ، قال مالك : فإن حبس فرسا على رجل في سبيل الله فأقره عنده ليعلفه له ، ويقوم عليه حتى يغزو ، وأشهد على ذلك وأمكنه من قبضه ، فتركه كذلك حتى مات المعطي نفذ ; لأنه كان وكيله فيده يده ، قال محمد : ولا يصلح هذا إلا في مثل الفرس والسلاح وما لا غلة له ، قال مالك : إذا حيز عنه بعد سكناه زمانا طويلا ثم رجع فسكنه بكراء نفذ إن كانت الحيازة [ ص: 320 ] قد ظهرت ، قال محمد : هذا إذا حاز المحبس عليه نفسه أو وكيله ، ولم يكن فيهم صغير ولا من لم يحو بعد ، أما من جعل ذلك بيد من يجوزه على المتصدق عليه حتى يقدم ، أو يكبر ، أو يولد ، أو كان بيده هو يحوزه لمن يجوز حوزه عليه ، ثم سكن قبل أن يكبر الصغير وقبل أن يجوز من ذكرنا بطلت ، وأقل الحيازة عند مالك سنة ، قال مالك : إن حبس على عبده حياته ، ثم على فلان فحازه العبد ومات السيد لا شيء للأجنبي ; لأن عبده لا يحوز عنه لقدرته على الانتزاع بخلاف الأجنبي ، وكذلك على ولده الصغير ثم على فلان ويحوزه لولده ، ثم يموت قبل بلوغ الابن الحوز ، بطل للأجنبي لعدم الحوز ، ويبقى للابن لحوز أبيه له ، بخلاف حبس عليك سنين ثم على فلان ، فحيازة الأول حيازة للثاني لخروجه عن يد الواقف ، وقال عبد الملك : إذا أعمر له داره وبعد الحيازة جعل مرجعها للآخر لا يكون حيازة الأول حيازة للثاني إن مات الواقف أو فلس ، بخلاف إذا كان ذلك في مدة حتى يكون قبض الأول قبضا للآخر ، قال مالك : حبس عليك حياتك ثم في السبيل فهو من رأس المال - إن حيز عنه - وقوله عليك حياتي ثم في السبيل هو من الثلث لجعله ذلك بعد الموت وعنه من رأس المال ; لأنه لا يرجع إليه ولا لورثته ، قال اللخمي : يختلف إذا لم يمكنه صرف الحبس فيما حبس حتى مات ، هل ينفذ أم لا ؟ والحبس أصناف : ما لا يحتاج إلى حيازة ولا تبقى يد المحبس عليه كالمساجد والقناطر والمواجل والآبار ، بل يكفي التخلية ، وما لا يصح بقاء يد الواقف عليه ويجب تحويزه ، وهو ما كان على معين إذا كان ينتفع بعينه ، كدار السكنى وعبد الخدمة ودابة الركوب ، وما يصح بقاء يده عليه إذا أنفذه في وجهه كالخيل يغزى عليها والسلاح والكتب يقرأ فيها إذا لم يكن الحبس على معين يصح عوده [ ص: 321 ] إليه بعد قبضه ، ويختلف إذا لم يأت وقت لجهاد وطلب الغزاة حتى مات هل يبطل أم لا ؟ ولو كان يركب الدابة إذا عادت إليه ليروضها لم يفسد حبسه ، أو يركبها كما يفعل الملاك بطل حبسه ، وقراءة الكتب إذا عادت إليه خفيف ، وما اختلف هل يصح بقاء يده عليه وهو ما على غير معين ، والمراد غلاته كالثمار والحوانيت وعبيد الخراج ، وهذا الصنف أربعة أصناف : فإن أخرجه من يده وأقام لحوزه وإأنفاذ غلاته غيره صح ، وإن بقي في يده ولم يعلم إنفاذ غلاته بطل ، وعن مالك : النفوذ وهو المختار ؛ لوجود الحوز بيد الغير ، فهذه أربعة أصناف .

فرع

في الجواهر : إذا صرف منفعته في مصلحتها ، ففي كون ذلك حوزا إن وليه ثالثها ، في الكتاب : الفرق بين إخراج الغلة كالثمرة وكراء الأرض فيبطل ، وبين إخراج العين نفسها كالفرس والسلاح يقاتل بهما ، ثم يرجعان إليه فيصح .

فرع

قال صاحب المقدمات : إن امتنع المحبس من الحوز جبر عليه ولا يبطل بالتأخير ما لم يمت ، أو لتراخي المحبس عليه في القبض حتى يفوته المحبس .

نظائر : قال العبدي : يتبع الأقل الأكثر في إحدى عشرة مسألة : إذا سكن أقل الحبس ، أو الهبة صح الجميع ، وإذا استويا صح في غير المسكون ، وإذا اجتمع الضأن والمعز أخرج من الأكثر في زكاة الإبل من غالب غنم البلد ؛ ضأنا كان أو معزا ، أو السقي والنضح يزكي على الغالب ، وإذا أدار بعض ماله حكم للغالب في زكاة التجارة وزكاة الفطر من غالب عيش البلد ، والبياض في [ ص: 322 ] المساقاة تبع ، إذا كان أقل ، وإذا نبت أكثر الغرس فللغارس الجميع ، وإذا نبت الأقل فلا شيء له فيهما ، وقيل له سهمه من الأقل ، وإذا أطعم أكثر الغرس سقط عليه العمل ، أو أقله فعليه العمل ، وقيل بينهما ، وإذا وجد المساقي أكثر الحائط سقط السقي ، أو أقله فعليه السقي ، وإذا أبر أكثر الحائط فالجميع للبائع ، وإذا استحق الأقل ، أو وجد به عيب فليس له رد ما استحق ولا التسليم ، بل يرجع بقدره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث