الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل مثل مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم : إذا أحرم الصبي ثم بلغ فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام ، وإذا أحرم العبد ثم عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام ، والسنة قد سوت بينهما ، وكذا القياس ، فإن إحرامهما قبل [ ص: 230 ] البلوغ والعتق صحيح وهو سبب للثواب ، وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام ، كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ذلك ، فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه ، فوجود الإحرام السابق على العتق لم يضره شيئا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده ، وتفريقكم بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام ، وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة ; لأنه مكلف فصح إحرامه موجبا فلا يتأتى له الخروج منه حتى يأتي بموجبه فرق فاسد ، فإن الصبي مثاب على إحرامه بالنص ، وإحرامه إحرام عبادة - وإن كانت لا تسقط الفرض - كإحرام العبد سواء .

وفرقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه فقلتم : لو قال : " أحجوا فلانا حجة " فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج ، ولو قال : " أحجوه عني " لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج ، وفرقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له ، وكأنه أشار عليه بالحج ، ولا حق للموصي في الحج الذي يأتي به ، فصححنا الوصية بالمال ، ولم نلزم الموصى بما لا حق للموصي فيه ، وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة في الحج ، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية ، وهذا الفرق نفسه هو المبطل للفرق بين المسألتين ، فإنه بتعين الحج قطع ما توهمتموه من دفع المال إليه يفعل به ما يريد ، وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكا له في الثواب ، ذاك بالبدن وهذا بالمال ، ولهذا عين الحج مصرفا للوصية ، فلا يجوز إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذه وشهواته ، هذا من أفسد القياس ، وهو كما لو قال : " أعطوا فلانا ألفا ليبني بها مسجدا أو سقاية أو قنطرة " لم يجز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أوصي به ، كذلك الحج سواء .

وفرقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم : إذا اشترى عبدا ثم قال له : " أنت حر أمس " عتق عليه ، ولو تزوجها ثم قال لها : " أنت طالق أمس " لم تطلق ، وفرقتم بأن العبد لما كان حرا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاقه اليوم ، وأما الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم ، وهذا فرق صوري لا تأثير له ألبتة ، فإن الحكم إن جاز تقديمه على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين ، وإن امتنع تقدمه في الموضعين على سببه لم يقع واحد منهما ، فما بال أحدهما وقع دون الآخر ؟ .

فإن قيل : نحن لم نفرق بينهما في الإنشاء ، وإنما فرقنا بينهما في الإقرار والإخبار ، فإذا أقر بأن العبد حر بالأمس فقد بطل أن يكون عبدا اليوم ، فعتق باعترافه ، وإذا أقر بأنها [ ص: 231 ] طالق أمس لم يلزم بطلان النكاح اليوم ، لجواز أن يكون المطلق الأول قد طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم .

قلنا : إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول أنت طالق أمس من غيري ، أو ينوي ذلك ، فينفعه حيث يدين ، فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق والطلاق .

فإن قيل : يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم .

قيل : هذا يمكن في الطلاق الذي لم يستوف إذا كان مقصوده الإخبار ، فأما إذا قال : " أنت طالق أمس ثلاثا " ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق أصلا بين ذلك وبين قوله للعبد " أنت حر أمس " فهذا التفصيل هو محض القياس ، وبالله التوفيق .

وجمعتم بين ما فرقت السنة بينهما فقلتم : يجب على البائن الإحداد كما يجب على المتوفى عنها ، والإحداد لم يكن من ذلك لأجل العدة ، وإنما كان لأجل موت الزوج ، والنبي صلى الله عليه وسلم نفى وأثبت وخص الإحداد بالمتوفى عنها زوجها ، وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها ، فإن سببها الموت ، وإن لم يكن الزوج دخل بها ، وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيا ، ثم فرقتم بين ما جمعت السنة بينهم فقلتم : إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة فلا إحداد عليها ، والسنة تقتضي التسوية كما يقتضيه القياس .

وفرقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم : لو ذبح المحرم صيدا فهو ميتة لا يحل أكله ، ولو ذبح الحلال صيدا حرميا فليس بميتة وأكله حلال ، وفرقتم بأن المانع في ذبح المحرم فيه ، فهو كذبح المجوسي والوثني ، فالذابح غير أهل .

وفي المسألة الثانية الذابح أهل ، والمذبوح محل للذبح إذا كان حلالا ، وإنما منع منه حرمة المكان ، ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حل ذبحه ، وهذا من أفسد فرق ، وهو باقتضاء عكس الحكم أولى ، فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس المذبوح ، فهو كذبح ما لا يؤكل ، والمانع في ذبح المحرم في الفاعل ، فهو كذبح الغاصب .

وقلتم : لو أرسل كلبه على صيد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم يضمنه ، ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته الريح حتى قتل صيدا في الحرم ضمنه ، وكلاهما تولد القتل فيه عن فعله ، وفرقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوته التي أمدت السهم فهو محض فعله ، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف إلى فعل الكلب ، وهذا الفرق لا يصح ، فإن إرسال السهم والكلب كلاهما من فعله فالذي تولد [ ص: 232 ] منهما تولد عن فعله ، وجريان السهم وعدو الكلب كلاهما هو السبب فيه ، وكون الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذ كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه له .

وقلتم : لو رهن أرضا مزروعة أو شجرا مثمرا دخل الزرع والثمر في الرهن ، ولو باعهما لم يدخل الزرع والثمرة في البيع ، وفرقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره ، واتصال الرهن بغيره يمنع صحة الإشاعة ، فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل ، بخلاف المبيع ، فإن اتصاله بغيره لا يبطله ، إذ الإشاعة لا تنافيه ، وهذا قياس في غاية الضعف ; لأن الاتصال هنا اتصال مجاورة ، لا إشاعة ، فهو كرهن زيت في ظروفه وقماش في أعداله ونحوه .

وقلتم : لو أكره على هبة جاريته لرجل فوهبها له مالكها فأعتقها الموهوب له نفذ عتقه ، ولو باعها لم يصح بيعه ، وهذا خروج عن محض القياس ، وتفريقكم - بأن هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق ، وذاك بيع صدر عن إكراه والإكراه يمنع صحة البيع - لا يصح ; لأنه إنما أكره على التمليك ، ولم يكن للمكره غرض في الإعتاق ، والتمليك لم يصح ، والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ كالبيع سواء . هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق ، فصححتم العتق دون البيع ، وفرقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه كالطلاق ، والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه ، وهذا فرق لا تأثير له ، وهو فاسد في نفسه ، فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار ، ولا تصح مع الإكراه ، وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضا الذي هو مصحح العقد ، وهو أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضتها وتبرعاتها وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره ، وهذا هو محض القياس والميزان ، فإن المكره محمول على ما أكره عليه غير مختار له ، فأقواله كأقوال النائم والناسي ، فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس ، وبالله التوفيق .

وقلتم : لو وقع في الغدير العظيم الذي إذا تحرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجسه كله ، وإذا وقع في آبار الفلوات والأمصار البعر والروث والأخباث لا تنجسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه ، وقيل : أن لا يخلو دلو عن شيء منه ، ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسا وشرعا من هذا ، ومن العجب أنكم نجستم الأدهان والألبان والخل والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم ، وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة ، وعما دون قدر الكف من المغلظة .

وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مسح ربع الرأس ووجوب حلق ربعه في الإحرام ، وأين مسح الرأس عن غسل النجاسة ؟ ولم يقيسوا الماء والمائع على الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما [ ص: 233 ] ألبتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب ، ولا سيما عند محمد حيث يعفو عن قدر ذراع في ذراع ، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر ، وبكل حال فالعفو عما هو دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه في الماء والمائع الذي لا يظهر أثر النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحرى .

وجمعتم بين ما فرق الشرع والحس بينهما ، فقستم المني الذي هو أصل الآدميين على البول والعذرة ، وفرقتم بين ما جمع الشرع والحس بينهما ففرقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها في الإسكار ، فجعلتم بعضها نجسا كالبول وبعضها طاهرا طيبا كاللبن والماء ، وقلتم : لو وقع في البئر نجاسة تنجس ماؤها وطينها ، فإن نزح منها دلو فترشرش على حيطانها تنجست حيطانها ، وكلما نزح منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماء نجسا وطينا نجسا ، فإذا وجب نزح أربعين دلوا مثلا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسا ، والحيطان التي أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر ، حتى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش النجاسة كلها ، فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه ، فما رئي أكرم من هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير .

فصل

وقالت الحنابلة والشافعية : لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية ووجب مهر المثل ، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدري ما هو ، ثم قالت الشافعية : لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز ، وقاسوه على جواز إسماعها إياه ، فقاسوا أبعد قياس ، وتركوا محض القياس ، فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز ، ونزلت الإجارة على العرف ، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا ؟ ثم ناقضتم أبين مناقضة فقلتم : لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه ؟ فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير ، وقلتم : لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح .

وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله ، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها ، وقلتم : لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير ، وقلتم : لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط .

ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه ، وقلتم : لو تزوجها [ ص: 234 ] على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية ، مع أنه غرر ظاهر ، إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له ، وهو رضى زيد ببيعه ، ففيه من الخطر ما في رد عبدها الآبق ، وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها ، وقلتم : لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح ، وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه ، على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة عنه ، بل نصوصه على خلافها ، قال في رواية منها ، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز ، وإن كانوا عشرة عبيد يعطي من أوسطهم ، فإن تشاحا أقرع بينهما ، قلت : وتستقيم القرعة في هذا ؟ قال : نعم ، وقلتم : لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح ، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة ، فيا للعجب ، أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج ؟

فصل

وقالت الشافعية : له أن يجبر ابنته البالغة المفتية العالمة بدين الله التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له ، وأشد الناس عنه نفرة بغير رضاها حتى لو عينت كفؤا شابا جميلا دينا تحبه وعين كفؤا شيخا مشوها دميما كان العبرة بتعيينه دونها ، فتركوا محض القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة . وقالوا : لو أراد أن يبيع لها حبلا أو عود أراك من مالها لم يصح إلا برضاها ، وله أن يرقها مدة العمر عند من هي أكره شيء فيه بغير رضاها .

قالوا : وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم { خير جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة ، وخير أخرى ثيبا } .

ومن العجب أنكم قلتم : لو تصرف في حبل من مالها على غير وجه الحظ لها كان مردودا ، حتى إذا تصرف في بعضها على خلاف حظها كان لازما ، ثم قلتم : هو أخبر بحظها منها ، وهذا يرده الحس ، فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته ، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه : { الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها } .

وهو حجة عليكم ، وتركتم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه : { لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا البكر حتى تستأذن } وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت : { قلت : يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن ؟ قال : نعم ، قلت : فإن البكر تستأذن فتستحيي ، قال : إذنها صماتها } فنهى أن [ ص: 235 ] تنكح بدون استئذانها ، وأمر بذلك وأخبر أنه هو شرعه وحكمه ، فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره ، وهو محض القياس والميزان .

فصل

وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية : لا يصح بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان إلا لقطة ، ولم يجعلوا المعدوم تبعا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك ، وجعلوا المعدوم منزلا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك .

وهذا مثله من كل وجه ; لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع ، وما يقدر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع ، وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها ، ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعا للموجود ، فإن فرقوا بأن هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة ، فهو فرق فاسد من وجهين :

أحدهما : أن هذا لا تأثير له ألبتة .

الثاني : أن من الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارا متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه ، فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة ، وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس فإن اللقطة لا ضابط لها ، فإنه يكون في المقثأة الكبار والصغار وبين ذلك ، فالمشتري يريد استقصاءها ، والبائع يمنعه من أخذ الصغار ، فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة ، فأين هذه المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد تبعا لما وجد لما فيه من المصلحة ؟ وقد اعتبرها الشارع ، ولم يأت عنه حرف واحد أنه نهى عن بيع المعدوم ، وإنما نهى عن بيع الغرر ، والغرر شيء وهذا شيء ، ولا يسمى هذا البيع غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث