الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


45 - كثر في زماننا إجارة أرض الوقف مقيلا ومراحا قاصدين بذلك لزوم الأجر وإن لم ترو بماء النيل ولا شك في صحة الإجارة ; لأنها لم تستأجر للزراعة ، وغيرها وهما منفعتان [ ص: 234 ] مقصودتان كما في إجارة الهداية : الأرض تستأجر للزراعة وغيرها قال في النهاية أي لغير الزراعة نحو البناء وغرس الأشجار ونصب الفسطاط ونحوها وفي المعراج وفي فتح القدير من البيع الفاسد : ولا تجوز إجارة المرعى أي الكلأ ، [ ص: 235 ] والحيلة في ذلك يستأجر الأرض ليضرب فيها فسطاطا أو ليجعلها حظيرة لغنمه ثم يستبيح المرعى وذكر الزيلعي الحيلة أن يستأجرها لإيقاف الدواب أو منفعة أخرى ( انتهى ) والحاصل أن المقيل مكان القيلولة ، وهي نوم نصف النهار ; وقال الإمام الرازي في تفسير الفرقان : المقيل زمان القيلولة ومكانها ، وهو الفردوس في الآية وهي { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } وفي القاموس : القائلة نصف النهار ، قال قيلا وقائلة وقيلولة ومقالا ومقيلا ( انتهى ) .

وأما المراح فقال في القاموس : أروح الإبل ردها إلى المراح وفي المصباح الرواح رواح العشي ، وهو من الزوال إلى الليل ، والمراح بضم الميم حيث تأوي الماشية بالليل ، والمناخ والمأوى [ ص: 236 ] مثله وفتح الميم بهذا المعنى خطأ ; لأنه اسم مكان واسم المكان والزمان والمصدر من أفعل بالألف مفعل بضم الميم على صيغة اسم المفعول وأما المراح بالفتح فاسم الموضع ، من راحت بغير ألف ، واسم المكان والزمان من الثلاثي بالفتح ، والمراح أيضا الموضع الذي يروح القوم منه أو يروحون إليه ( انتهى ) .

فرجع معنى المقيل في الإجارة إلى مكان القيلولة ويدل على صحتها له قولهم : لو استأجرها لنصب الفسطاط جاز ; لأنه للقيلولة ، ورجع معنى المراح إلى مكان مأوى الإبل ، ويدل على صحتها له قولهم : لو استأجرها لإيقاف الدواب ، أو ليجعلها حظيرة لغنمه جاز

التالي السابق


قوله : كثر في زماننا إجارة الأرض مقيلا ومراحا إلى قوله ولا شك في صحة الإجارة أقول وبصحة هذه الإجارة وإن لم ترو الأرض بماء النيل أفتى الشيخ شهاب الدين الشبلي فقال : تلزمه الأجرة جميعا والحال ما ذكر وهو أنه استأجرها مقيلا ومراحا للزراعة وغيرها ( انتهى ) .

وتوقف بعض الفضلاء في صحة هذه الإجارة فقال إن كان معنى ذلك سواء انتفع أو لم ينتفع فهي حينئذ فاسدة ; لأنه ينحل [ ص: 234 ] إلى أنها مسلوبة المنفعة ، ولو صرح بذلك كانت فاسدة فلذلك إذا قال مقيلا ومراحا وإن كان معناه ينتفع بها سائر الانتفاعات فهو أيضا محل توقف ونظر ويؤيده أنهم قالوا : لو استأجر أرضا للزراعة ولم يبين ما يزرع فيها فهي فاسدة فيكون كذلك إذا أطلق في الانتفاع بالأرض وفي مواهب الرحمن بعد أن ذكر أن الإجارة تفسد بالشروط الفاسدة كالبيع قال : وكاستئجار رحى ماء على أنه إن انقطع الماء فالأجرة عليه ; لأن هذا شرط مخالف لمقتضى العقد إذ موجبه أن لا يجب الأجر إلا بالتمكن من استيفاء المعقود عليه وكل شرط مخالف موجب العقد يفسده ( انتهى ) .

أقول أقوى دليل على فساد هذه الإجارة أنك لا ترى أحدا ممن يستأجر الأرض مقيلا ومراحا يتخذها مقيلا ومراحا قط ، بل إنما يستأجرها للزراعة في نفس الأمر ، ويجعل قوله مقيلا ومراحا في معنى رويت الأرض بماء النيل أو لم ترو على أنه لا معنى لاستئجار الأرض للمقيل والمراح وهي معدة للزراعة تروى بماء النيل في كل عام ، غاية ما في الباب أنه قد لا تروى في بعض السنين ومعلوم أن صحة العقد تعتمد الفائدة ولا فائدة حينئذ في هذه الإجارة قال بعض الفضلاء : لعل هذه العبارة إنما حدثت في القرن العاشر بمصر لما قل بها الرزق فتنازع الناس في أرض الخراج من الأوقاف فاستعمل الموثقون هذه العبارة حرصا على عدم ضياع مال الوقف واستمرت على ما ترى وتعارفت بينهم ، ولم تكن في شيء من كتب علمائنا سوى هذا التأليف ( انتهى ) .

وقد توفي المصنف رحمه الله لثمان مضين من رجب سنة سبعين وتسعمائة ( انتهى ) .

أقول : قد وجدت في تذكرة الفاضل الدماميني ما نصه : مسألة : كثيرا ما يكتب أهل القاهرة في إجارة أرض النيل أن لمستأجر تلك الأرض مقيلا ومراحا أي ينتفع بها في مقيل الدواب ورواحها ، والظاهر أنهم إنما يفعلون ذلك حيلة على لزوم الأجرة عند عدم الري ، وقد وقع في المذهب ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة قال ابن فتوح في وثائق المجموعة [ ص: 235 ] وقال ابن حبيب ما أحدث أهل الأندلس في كراء الرحى أن يقول المكري إنما أكريتك البيت وقناة الرحى لا ساقية ولا مطاحن ولا آلة لها لما هو احتيال لما لا يجوز شرطه اغتروا به أن لا يكون على المكري شيء من تعطيل الرحى باعتلال ما يعتل من ذلك ، وقد عرف أن الرحى يوم عقد الكراء طاحنة بجميع آلاتها فإن وقع كذا فسخ وكان فيما مضى كراء المثل عليه حال ما أخذها طاحنة تامة الآلة يجوز على هذا الوجه لو كانت يومئذ عطلا من جميع ذلك زاد المتيطي عن فضل أن أبا زيد عبد الرحمن بن إبراهيم صاحب الثمانية كان يكري أرحية بقرطبة على الوجه الذي ذكره ابن حبيب أنه لا يجوز . انظر تصنيف شيخنا العلامة ابن عرفة في كتاب الإجارة بإثر كلامه على كراء الحمامات ( انتهى ) .

ومن خطه الشريف نقلت واستفيد منه أن هذه العبارة متعارفة بالقاهرة قبل القرن العاشر بنحو القرنين واستفيد منه أن الإجارة المذكورة فاسدة كما بحثه ذلك الفاضل وأيدنا بحثه فيما تقدم قريبا .

( 46 ) قوله : والحيلة في ذلك أن يستأجر إلخ أقول المطابق لقوله ولا تجوز إجارة المرعى أن يقول بدل قوله يستأجر يؤجر كما هو ظاهر



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث